20‏/6‏/2010

صدمة 23


خطوُه يأخذ فى التسارع كلما اقترب من ذلك المبنى ، تتلوى قدماه وهو يلتفت برهة للبوابة التى دخل لتوه منها ويتمتم حامدا أن لم يسأله أحد عن هويته الجامعية ، يبدو أن استنتاجه كان صحيحا ، يبدو أنه بالفعل لم ينقطع تردده على هذا المكان بعد ، وجهه هنا ما زال مألوفا ، وجوههم أيضا .. هؤلاء الذين يقفون فى بوابة المبنى لم يتغير إلا واحدا أو اثنين ، تلتهم أقدامه الدرج بقوة ، يصعد دورا واثنين وثلاثة بنفس القوة ، يلهث عند آخر درجة ، يمرر عيناه على أبواب تلك الردهة ، لا بد أنه قد التحق بهذا القسم ، ينظر فى ساعته المكسور زجاجها ، عشر دقائق تبقت على الموعد ، يلمح مقعدا فى طرف المكان ، يلقى بجسده المرهق عليه ، يلتقط أنفاسه ، تدور عيناه فى المكان دورة كاملة قبل أن يغلقها تماما ، يضغط بأجفانه أكثر ، يحاول أن يهدأ ليراجع الساعات الغريبة التى مرت به منذ الصباح ، يجفف بمنديله قطرات العرق الخفيفة التى انتثرت على جانبى جبهته من أثر العدو ، يرتبك عندما يرى أثر الدماء التى على المنديل ، فيخفيه فورا فى جيبه ، تلمس أنامله الورقة التى بسببها هو الآن فى هذا المكان ، يرفعها أمام عينيه ن يحاول استنطاقها ، يتذكر جيدا أنها مقطوعة من مفكرته الأثيرة ، ذلك التاريخ المطبوع عليها وهذا الكلام المكتوب فيها لا يتذكر متى كتبه .. 10/6/2008 ، هذا هو التاريخ المطبوع ، و 10/6/2010 هذا هو التاريخ المزيل فى الورقة والمكتوب بنفس خط هذه البنود الخمسة ، لقد تأكد بالفعل أن يومه هو التاريخ المكتوب ، لقد التقط ورقة حالته المعلقة على طرف سرير المشفى مأرخة بـ 10/6/2010 ، الكثير من الحروف الإنجليزية غير المنسقة كانت منتشرة تستفل وتستعلى أسطر ورقة المشفى ، لم يسعفه فى الفهم إلا الكلمات التى استلقتها أذنه فى حالة نصف وعى ، كان أحدهم يهمس للآخر ، لعل صوته كان عاليا ولكنه لم يسمع إلا همسا ، كان يتحدث عن حادث .. عن احتمال فقد للذاكرة .. كان الآخر يبدد شكوكه .. كان يحدثه أن الصدمة كانت خفيفة .. أن الجروح طفيفة .. أن الفقد لن يكون إلا جزئيا .. أنه سيعود سريعا .. بمجرد أن يفيق ويرى بعضا من حياته المفتقدة فى الذاكرة .. لعل هذا هو الذى جلعه يفر فى غفلة من الممرضة التى ثقلت رأسها على باب العنبر ، ماذا لو بقى ، من المأكد أن أحدهم قلق عليه الآن ، لكنه لم يستطع ، الأحداث التى فى تلك الورقة ، تلك الورقة الوحيدة التى عثر عليها فى جيبه ، لا يمكن أن يتحمل تفويتها ويستسلم هناك راقدا على فراش المشفى ، بالتأكيد سيخسر ، يحاول أن يتذكر أكثر ، صور كلها مشوشة ومهتزة ، تحلق نفرِ يلبسون لأبيض ويتكممون بالأخضر فوق رأسه .. حركة عجلات السرير المتسارعة المتذبذبة فى أروقة رخامية ، أبواق سيارة الإسعاف المتتابعة ، آخر امتحانات الكلية .. لا لا لا ، محال هذا ، من المؤكد هناك خطأ ، ما .. يستدير برأسه ويضربها برفق مصطنع فى الحائط الرخامى خلفه ، يفتح عيناه فجأة ، منذ متى دخل الرخام كليتنا ، تبا إنه لا يتذكر أى شىء ، أى شىء عن عامين مضيا .

لا يبقى كثيرا على حالة ارتباكه هذه يصوب نظره شطر ذلك الموظف الذى ما زال يرقبه شذرا ، يهم إليه ويبادر بالتحية ، يسأله إذا ما كان اسمه فى كشف هذه اللجنة ، يرد مستنكرا : سيادتك لا تعلم ما هو قسمك ، يتردد برهة ك بلى أعلم ، قسم التاريخ لكنى لا أتذكر الرقم ، بعد تنهيدة تستفتح عينا الموظف قائمة اللجنة ، يعثر على الاسم فى أول صفحة ، تختلج قلبه فرحة عندما وقعت عيناه على اسمه أيضا ، يمرر الموظف اصبعه إلى أن يصل إلى الخانة التى فى آخر السطر ، ينظر إليه وقد مط شفته السفلى ، حضرتك محروم بالطبع من الامتحان اليوم ، لم تحضر أصلا طوال العام ، يتمتم بصوت خفيض : لم أحضر كيف لم أحضر ، ما المانع من حضورى ، أى عمل أخرنى عن هذا ، لا بد أن هناك ما كان يشغلنى ، لا بد أن عملا أهم فى انتظارى اليوم عوضا عنه .. أخذ يحدث نفسه زاهلا عن الموظف تسوقه قدماه إلى الدرج ثانية .

جلس لحظات يستعيد هدوءه على مقعد مقابل للكلية ، يمسك بالورقة ويقرأ أول سطر فيها قراءة أخيرة - قبل أن يمحوه تماما - : الذهاب إلى امتحان التمهيدى الماجستير – قسم التاريخ الإسلامى .

ينتقل برفق إلى السطر الذى يليه ، يمشى بتؤده هذه المرة ، يتذكر أو مرة صعد فيها هذا المبنى المقابل لكليته ، وذلك الدور العلوى الذى كانت تعلو مكاتبه التراب ، كيف كان أول اجتماع به مع أول فريق عمل ، خمسة كانوا وهو سادسهم ، لم يمض إلا أشهر حتى جاوزوا المئة ، يالله ترى كم وصلنا الآن ، وترى أى الفروع فتحت ، وترى من الآن يخلفنى فى منصبى ، وترى أى مفاجئة تلك التى من المفترض أن أخبئها لهم اليوم ، شىء من السرور أخذ ينمو بنفسه كلما اقترب من باب مكتبه ، سرور يعرف مذاقه من كل عمل تطوعى يقوم به ، ويشعر أنه بالفعل رصيد مباشر يضاف لأمته ، أخيرا تضغط يده على مقبض الباب يفتح برفق ويدفع بلين ، لا يدور المقبض ولا يستجيب لسانه ، يبدو أنه مغلق ، يتوجه للمكتب الذى بجواره ، شخص لا يتذكره يجلس هنا ، يبادر : أجديد هنا ، ينظر الشاب إليه وقد عقد حاجبيه ، يعنى من سنة تقريبا ، مين حضرتك ، يدور السؤال فى ذهنه بسرعة البرق ، إنه لا يعرفنى ! ، هنا من سنة ! ، لم آتى لمكتبى هنا منذ عام ، يالله ترى .. يقاطعة الشاب بنبرة أعلى : مين حضرتك ، يتلعثم ، لا أنا فقط كنت أسال عن مجموعة شباب .. نعم شباب يقومون بنشاط ما هنا .. نشاط اسمه "أبجد" تعرفهم .. سمعت عنهم ، يأخذ الشاب فى القهقهة : لقد رحلوا منذ زمن طويل . رحلوا كيف ؟ لمذا ؟ ، يتابع الشاب فى تلقائية مستنتجا : آآآآه .. أنت إذن من الأعضاء الذين نسوا أشياء لهم هنا ، ويأتون كل يوم والآخر كى يسألوا عنها ، ويصدعونا نحن ، حسن يا سيدى تعال ورائى ، وبحركة ميكانيكية أخذ العامل يعبث بعدد من المفاتيح أخرجها من جيبه ويتوجه بتلقائية إلى باب فى آخر الردهة ، ويفتحه بشىء من الدفع والتدافع من عشرات الأوراق التى بدت متكدسة خلفه ونادى نحوى : تفضل خذ ما تريده وارحل .

لا يكاد يصدق ما رأى ، لا يكاد يصدق أن الرجل الذى افتتح نموذجه عندما كان رئيسا لمركز فى الكلية هو هو الذى أغلقه عندما أصبح عميدا لها ، لا يصدق ما قاله ذلك العامل ، لا يصدق أن ما أنفقه فى أكثر من عامين راح أدراج الرياح ، تكدس أكوام فوق أكوام كالأطلال فى حجرة ضيقة ، لا يصدق أنه سيخرج الورقة من جيبه ، وسيمحو السطر الثانى ، أن زيارة لمكتبه فى نموذج مجمع اللغة العربية ، وتقديم هدية لمن يكملون مسيرته باتت فى عداد الأمنيات المستحيلة ، أن عليه التوجه للسطر الثالث ، بكل أمل ، وكل خوف ، بألف رجاء يجر أقدامه اليائسة إلى الحديقة المسماه فى جدوله المزعوم اليوم ، ينتظر لقاءه القادم .

الطريق من الجامعة إلى حديقته تلك المطلة على النيل ليس طويلا ، والموعد الذى كتبه قبل عامين هنا فى الورقة ليس قريبا ، آثر أن يقطع المسافة ماشيا على نسمات نيلية تلفح ذاكرته فتعيد لها ما سلبه حادثه ذاك ،لكن النسمات بدلا من أن تسترد شيئا من عقله أخذت ترسل أشياء من مآقيه التى تترقرق فى عينه منذا الصباح ، رباه لو كان لى أن أنسى أننى تركت الماجستير ، وأن مشروعى قد توقف رغما عنى ، فلا يجب أن يسقط من ذاكرتى أبدا موعدى القادم .. تتسابق الدمعات عندما يخطر بباله أن ماذا لو لم يكن ساقطا ، ماذا لو لم يكن موجودا من الأساس ، تكاد أنفاسه تقف على حافة السؤال قدماه تغوص فى عرض الممشى أيمن كوبرى الجامعة ، فى حركة جنونية اندفع بجسده كله كالرصاصة يطوى ما تبقى من الطريق عله يستبق قدرا ليس يسبقه .

دارت عيناه فى المكان حتى وقعت على طاولة غير مشغولة ، قصدها مضطرب الخطو ، جلس ضاما رجليه ويداه مقبوضتان عند ركبتيه وعيناه صوب المشهد النيلى الذى راح التماع ماءه - تحت وهج الشمس - ينعكس ويتلألأ فى عينيه فيزيد من ترقرق مائهما .

"ترى من تكون التى أنتظرها" ، حدق فى وجه النادل الذى أتى ليسأله عن طلبه وكاد ينطق ، لكنه ابتلع ريقه ، نظر على الطاولة ، أمسك بالقائمة ، ترى أى المشروبات تفضلها ، هل تحب الجوافة مثلى ، أم ترانا لا نطلب سوى الليمون ونوفر أى مليم لعصائر البيت الطازجة ، "أنتظر أحدهم ، سأطلب عندما يأتى" ، تململ النادل منه وأشاح عنه بوجه عابس .

أخذ يقلب ذاكرته فى صفحات وجوه فتيات من رأى ، من أحب ومن عرف ، من جاورها ، ومن زاملته ، من تأستذ عليها ، ومن تتلمذ لها ، من رنا إليها ، ومن إليه تزلفت ، أخذ يحاول تجميع صورة واحدة ، لا يريد سوى واحدة ، ترى أعيناها كما كان يحلو أن يلونها بخضرة الحقول وزرقة السماء والبحر ، أم بدكنة الغسق وحمرة الغروب ، أم بسواد الليل وغمقة العنبر ، تراها خمرية كمعتوق النبيذ أم شقراء كضى القمر ، تراها تقارعه بقلمها ، أم تباريه بصوتها ، تشعر به الآن ، تعرف ما حدث له فى الصباح ، ترى يعرفها لو أتت .. ضاق ذرعا بخيالاته ، وضاق بمقعده ، انتصب عوده النحيف وراح يضرب الأرض بخطوات غادية وراءحة ، يحدق فى وجوه الخلق ، يخيل إليه كل غادية أنها مقبلة عليه ، ترى هل تكون تلك .

أخذ اليأس يتملكه ، ينظر إلى ساعته المكسور زجاجها ، مرت ساعة ، ياه كيف نسى ذلك ، يكاد أذان العصر يُرفع ، لم يصل الظهر بعد ، انطلق إلى الزاوية التى يعرفها جيدا فى ركن من الحديقة ، لا يذكر أنه كان متوضأ ، أخذ يفضى من الماء على أطرافه فيكتشف بعض الجروح والكدمات التى أخذت تشى أن الحادث كان أشبه بالسقوط منه بالاصطدام ، ترك التفسيرات بعيدا ، ترك الماء أيضا على أطرافة يقطر ، وهم بالصلاة .

قرفص بعد الصلاة ووضع رأسه على تشبيكة أصابعه يحدق فى لا شىء ، لا يتذكر أنه أحس بلذه كهذه من قبل ، تملكه العجب ، إن خالق الحب لا يكلفك إلا أن تذكره فى نفسك حبيبا حتى يذكرك فى نفسه ، بمجرد أن يخطر على بالك .. نعم بمجرد أن يخطر على بالك ، تعلم أنه يذكرك ، يذكرنى ! ، وأى سعادة ينالها محبوب عندما يعلم أنه حبيبه الآن يفكر فيه ، فما بالك لو كان مخلوقا وهو خالق ، لكن لم تتفتق له هذه المعان التى لم يطالولها يوما ، تلك التى كان يفكر بها طوال تلك الساعات ولا يعلم أصلا أهى كائنة أم لم تكن بعد ، أيتوافق تخاطرهما ، أم يتنافر ، وما الذى عليه فعله كى ينهل بوصلها ، أن يبتغى سلما فى السماء أو نفقا فى الأرض ، لكن ما الذى عليه فعله كى ينهل بوصل الحبيب الأعظم ، أن يرفع يده ويهبط بها على صدره ، أن يصدح الله أكبر الله .. سمعها ترن فى الأفق تعلن صلاة العصر ، اندفع بجبهته تقبل الأرض وبروحه تحلق فى السماء ، وبلسانه يدعو الحبيب أن يهديه حبيبه فيه .

تسليمة عن اليمن وأخرى عن اليسار ، يرفع بعدها يده إلى جيب قميصه ، يخرج الورقة ، ويخط على السطر الثالث ، لم تأت له زوجة فى الموعد المحدد ، ضاق ذرعا بتلك اللعبة السمجة ، أخذ يمرر عينه فى بقية الجدول ، يذهب لشركته ويعقد اجتماعا تقييميا ، يصلى مع صديقه المغرب ، يذهب لبيته قبل العشاء ، لا يعرف من ذلك كله إلا صديقه الذى لا يخال أنه قد تغير ، ترى أين شركته تلك ، وهل هى موجودة أم ككل الأخريات كانت مجرد أمنية لم تر ضوء النهار بعد ، وترى بيته ذاك هو بيته فعلا ، أم بيت أسرته ، هل يجلس إلى الآن فى بيت والده ، لا يعقل هذا ، من يدلنى إذن من ؟ ، جمع أمره وانطلق من فوره إلى صديقه ، ما زالت معالم بيته الذى يتردد عليه لا يُخطؤها .

بيت صديقه لا يفصله عن بيت أهله سوى عدة شوارع ، ورغم ذلك أحب أن يذهب إليه أولا ، مؤكدٌ أن لديه تفسير أوضح لكل هذا . عند مدخل شارعهم رأى أخاه من بعيد ، استبشر وتوجه نحوه :

- كيف حالك حسان ، وكيف أخوك .
- بخير والحمد لله ، لكن يبدو أنه لن ينزل فى أجازة هذا الصيف .
امتقع وجهه وزاغت عيناه ، تابع بصوت تحشرج فى حلقه : ولم ذاك ؟
- يبدو أن المقام قد طاب له فى السعودية ، ضحك الفتى ثم ودعه ومضى بعيدا .

تسمر فى مكانه ، لكن دهشته لم تلبث طويلا ، مم يدهش ، ولم يدهش ، من أول يوم عرف فيه حاتم وهو لا يكف عن حديث السفر ، ودروب الهجرة ، من أول يوم عرفه فيه وهو يأتى كل يوم له ببلاد جديدة يقلب رأسها على عقبها ، يتعلم كل شىء عنها ، ثم يكتشف أخرى أكثر ميزة أو ميزتين فيتحول إليها ، يذكر أنه كان أكثر تعلقا بكندا ، نعم كانت حلمه الكبير ، لا يذكر أبدا أنه فكر بالسعودية من قبل ، ترى ما الذى جعله يحط رحاله هناك ، نعم كنت أعرف كل ذلك ، لكن من كنت أفكر فيه صديقا ساعتها عندما يسافر حاتم ، هل كنت أنوى البقاء بلا صديق ، ترى من اتخذت من بعده صديقا ، ترى ما سمته ، ترى ما خلاله .. وأخذ يعيد هزيانه فى أصبوحته النيلية بلا وعى .

عندما بلغ ناصية الشارع استقبلته الشمس بأشعتها القرمزية ، فبثت فى الأفق مشهدا جنائزيا مهيبا ، خطف قلبه عندما رنت عيناه إلى شرفة فى الشارع الذى يقابل بيته مباشرة ، بدت وكأنها تحمل له ذكرى أليمة لم يجف جرحها بعد ، كيف وهى شرفة تلك الفتاة التى هى الآن قد شب طوقها وما زالت أحلامى تراودنى أن أنتظرها عدد سنين فأظفر بها ، أخذ يرد ذلك الخاطر وهو يتمتم : أمسينا وأمسى الملك لله ها هو يدخل شارعه ، ويتمتم : اللهم بك أمسينا ، يرمق مسجد "فاطمة الزهراء" قد سمى باسمها ، ينقبض أيضا عندما ترتقى عينه إلى لوحته المنحوتة بخط الثلث المحبب له ، يمضى فى طريقه بلهفة يتسارع خطوة كمن يلاحقه عدو مباغت خلف أشجار غابة معتمة ، ويتمتم : أمسينا على فطرة الإسلام ، يسرع أكثر كلما اتقرب من البيت لم يتبق سوى بنايتين يسلم ساقه للرياح يتجاوزهما فى سرعة البرق ، تتسمر عند الدرج الذى همت بالتهامة .

- حمد لله على السلامة يا أحمد ، قالها وأخذه بين ذراعيه يحتضنه بقوة ، بل يعتصره فى عنف .
- الشيخ أنس !
- لا ، كان هذا منذ زمن ، أنا الآن ، أنس صديقك
- صديقى .
- اجلس ، وقل لى كيف سار يومك .

لم يحك شيئا ، حكى له أنس عن كل شىء ، حكى له عن اتصاله به ليلة أمس ، كان صوته عاليا ومضطربا كالممسوس يصرخ ويطلب منه أن يرافقه غدا فى ركوب الخيل " خشيت عليك بشدة ونصحتك ألا تذهب ، فى الفجر هاتفتك رد على أخوك وقال إنك تركت هاتفك ، وتركت المنزل فجأة ولم تعد من بعد الصلاة ، أدركت أنك بهذه الحالة مصاب لا محالة ، نزلت من فورى ولحقت بك عند المكان الذى نركب فيه الخيل دائما ، وجدتك محمولا على يدى أحدهم بعدما كبا بك الجواد من فرط اندفاعك به ، ذهبت معك للمشفى ولما قصصت للطبيب ما حدث ، أبلغنى هو الآخر بحالتك ، قدم إلى الورقة التى فى جيبك وقال أرجح أن فقد الذاكرة المحتمل ذلك سيبدأ من هذا التاريخ قبل سنتين من الآن ، ذكرت له أن الصدمة ستكون كبيرة عليك ، اقترحَ أن نتكرك تواجه ورقتك بندا بندا ، حتى لا تصعك الحقيقة كاملة ، اتصلتُ بأهلك لأطمأنهم ، وتغافل العاملون بالمشفى عنك ، حتى حدث ما كنا نتوقه ، وخرجت لتستقبل أحلامك وتراها بعينك ، لكن صدقنى أحلامك هذه رغم ذلك قد تحقق منها ..

لم يدعه يكمل أكثر من هذا ، أخرج ورقته وطلب منه أن يدله على المفكرة المنتزعة منها ، ناوله إياها ، قبض عليها بيديه المرتعشتين وخطا بقدميه الثقيلتين درج المنزل مودعا إياه : شكرا صديقى ، دخل البيت ، استقبلته الأحضان الحارة ، والأعين الدامعة ، أنسل من وسطهم ، أغلق باب حجرته خلفة ، تكوم جسده خلف الباب ومفكرته مضمومة إلى صدره ، فتحها برفق وأخذ يقلبها صفحة صفحة ، ويتذكر أيامه الضائعة يوما يوما ، يأسف لسفر صديقة ، يبرق لاجتماع قلبين يحبهما فى الله ، يرعد لفترة اعتقال مرت به ، يشهق لرحلة قصيرة إلى غزة ، يجزع لموت فاطمة ، يصل إلى صفحة الأمس ، يلتئم الماضى بالحاضر ، آخر مشهد مفقود ها هو يلتقطه ، ها هو يرى نفسه على ذلك الجواد الأبيض فى الصباح يعلو به ويهبط ، ينطلق به كالريح المرسلة ، ها هو يتذكر خلجات نفسه ويكاد يلمس وجهه المزعور رغم كل شىء ، كأنه كان يستعد للكبوة ، ها هو يشعر برأسه ترتطم بالأرض ، وتظلم الدنيا ..



يهب واقفا ، يستوى بجسده على المكتب يمسك بصفحة اليوم ، يمتشق القلم ويسطر ، ينتهى سريعا ، ويعلقها على الحائط ، يعاود القراءة بصوت هامس خفيض .

الأحد 10/6/2012

- أذهب لامتحان الماجستير .
- أتابع عمل "أبجد" .
- أقابل زوجتى فى الحديقة النيلية .
- أتوجه لمكتبى فى مؤسسة "الفراقد" للإنتاج الإعلامى .
- أحجز تذكرتين لقضاء عطلة الصيف مع حاتم فى كندا .

1‏/3‏/2010

إعادة الارتكاز


نظرة للفتى منذ خمسة أعوام تستشعر أن مرحلة ما قد دخل فيها لتوه ، تاريخ ما يشده نحوها بقوة ، يجعل نواقيس عقله تدق ، ومراجل قلبه تتضرم ، يوم ما يريد أن يجعله محورى فى حياته كما رآه فى حيوات من علا فى الأرض من قبله ، ساعة ما يخال أن عليه بلوغها بحقها ، يبدو أنه سيرفض قوله : "عندى عشرون" ، قبل أن يكون قد امتلك أسبابها ، حسِبَ تلك الطاقة جيدة فى حينها ، قد دفعته دفعا إلى السير والسرى ، مشدوها إلى ذلك العالم العشرينى .

بمجرد وصوله أخذت الأرض تضطرب من تحت قدميه ، يبدو أنه أسرف فى سعيه ، أو حمق فى أمانيه ، أحس بأنه كطفل وليد لفظته أمه لتوها فى ساحة حرب ، أخذت النار التى حمأت بأفكاره وأعماله – فى فترة السنتين ونصف التى انقضت – تصوغ له درعا سابغا – من الحب اختاره – كى يحتمى به من شظايا المعركة ، وجدها أيضا تستن له سيفا بيرقا تسله من الثورة التى أضحت ضربة لازب فى أرض لا يخلو منها شبر إلا من رجل محارب أو رجل مقبور .

لم يكن الغريب أن يتطلع فتى إلى عمر العشرين قبله بعامين ونيف ، ولا أن يحسبه الجنة الموعودة بعد سفر الفيافى حتى إذا وصلها دُفع إليه بفرس وبالكاد اتقى أول سهمين وجِّها إليه بدرع التقفه ، وعاجل أول ضارب بنصل سيف التقطه على عجل ، لكن الغريب الذى يريد أن يعرف له تفسيرا هل خرج بالفعل من هذه المعركة وأكمل الرحلة أم ما زال هناك يحارب فى أرض قد ضاقت به ، يقف عند مرحلة قد تخطاها الفرسان بكثير ، أو يبدوا أنه تخطاها كما فعلوا مرغم بقوة الزمن ، لكنه وإن سار مبتعدا فلا زال يرمى ببصره هناك ، يسير للأمام وينظر للخلف ، غير مصدق بأنه يوما من الأيام لم يرفع لوائه منتصرا على هذه الأرض ، نعم قد خرج منها والدماء وساما على جبهته ، نعم قد خرج منها بعد أن جندل أعدائه وأثخن فى غرمائه ، لكنه لم يستطع أبدا أن يرفع راية النصر ، يتكاثرون عليه وهو الفارس البطل ، فيرغمونه على أن يدفع عن نفسه أولا ، فرفع الراية كان محض انتحار .

اليوم وبعد أن تباعد ما بينه وبينها ، وبعد أن مضى عمر كالذى أفناه فى الوصول إليها ، ، وبعد ما أعشى بصره من طول النظر خلفه ، وبعد أن بح صوته من طول ما تصايح لها ، يجد نفسه اليوم قد لمع فى قفاه ضوء مرحلة أخرى ، وشعر بلسعة خفيفة من لهب معركة قادمة تستحثه كالتى قبل ، وتناهى إلى أذنه ضجة المعامع وصخب الفرسان ، رويدا رويدا أخذ يدير وجهه ، رويدا رويدا .. أخذت تودع عيناه والمآقى مختنقه مشهده العشرينى ، رويدا رويدا استدار كامل جسده ليبصر على البعد عمره المحورى الثانى .. الخامس والعشرين .

من يعرفنى – واقعيا أو افتراضيا – ليس فى حاجة لأن يسمع منى أكثر مما ذكرته كى يعرف ما قد تمخضت عنه الفترة الماضية وما قد تتفتق عنه المرحلة المقبلة ، ومن يتهمنى بالإلغاز وتقصُّدِ الغموض قد يعتب على ، وعتبه قد وجد له صدى ، فصناعة الكلام عندى لم تكن يوما – ولن تكون – من مواد خام ، فهى ليست من أحرف وكلمات ، حركات وسكنات ، ولكنها من لحم ودم ، من أنفاس وخطوات ، بدأت – فى قصتنا هذه – منذ أول حوار استطعت أن انفرد به مع أ.د/ محمد عبد الحليم (رئيس مركز الدراسات الإسلامية بلندن) قبل خمسة أعوام ، ونشر لى فى ملجة الكلية على غير رغبة منهم فى أن يوضع اسمى على صفحة من صفحات منابرهم التى أقض مضاجها كل يوم ، كان هذا الحدث وقتها علامة تحول فى أشكال إنجازى ، بنفس الطريقة استطعت أن أسمع صوتى من خلال مهرجانين فى الفصل الدراسى الذى يليه ، ومع أول أجازة صيف كان دخولى إلى عالم الصحافة فى أسخن نقاطها حيث كانت تشهد مصرفترة حراك غير مسبوق ، قوى غير تقليدية نزلت إلى الشارع ، انتخابات برلمانية ورئاسية ، تغطياتى اليومية لكل فعاليات القوى السياسية لخصت لى الكثير عن المشهد السياسى المصرى الذى كان أول تغير حقيقى لملامحه فى فترتنا تلك هو فوز محمد بديع بانخابات مرشد الإخوان ، واستقبال البرادعى فى مطار القاهرة ، أى انتهت مرحلة وولدت من رحمها أخرى .

لم يستطع عملى فى الصحافة أن يسلخنى من قلب معركة أنا مسئول عنها فى المقام الأول ، أن تحدث تغييرا إيجابيا داخل كلية تقليدية ذات حس أمنى متوتر كدار العلوم ليس من السهل مطلقا ، قد تطلق بعض المناوشات من تكوين شعبية ما بمجلات حائط ( المجهولة المصدر) أو مهرجانات شعرية وإنشادية أو كلمات المختلسة فى المدرجات ، أو حتى أسرة ذات شرعية جزئية ، لكن أن تحدث فرقا وأثرا لا يزول تستطيع أن تطلق عليه بلغة عامية " تعلم عليهم" كان لا بد من منهج مختلف ، لم أهتد إليه إلا بعد الخروج من الصندوق ، والمشاركة ببعض الأنشطة الخارجية وبالأخص فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والذى كان على أثره - وبعد أقل من شهرين على اشتراكى فى نموذج منظمة المؤتمر الإسلامى - نموذج مجمع اللغة العربية "أبجد" الذى استمر لدورة ونصف قبل إغلاقة كإجراء طبيعى فى "كلية بوليسية" .

المعركة الأعلى صوتا فى كل هذا لم تكن بينى وبين نظام بوليسى أو حركات سياسية أو قوى كبرى ، كانت مجرد معركة استكمال لبنائى النفسى الذى ادعيت – وما زلت مصرا – أنه لو تحقق سيزيد من معدلات إنجازى إلى الضعف وسيقلل من خطوط تذبذبى إلى النصف فتكون القوة والاتجاه قد تضاعف حجمهما كما وكيفا ، كانت هذه الخطوة – وما زالت – هى الحب المزهر بالخطبة ، والمثمر – فى فترة لا أحسبها داخل تلك المرحلة – بالزاواج ، وعلى الاعتراف الآن – ولأول مرة – أن هذه الحرب لم تكن ذات خسائر محضة ، بل إننى لم أعرفنى أديبا ، ولا حتى منجزا إلا فى اللحظات التى أكون مدفوعا فيها إلى "محاولة" حب إحداهن وقد أقبلتُ ، أو "محاولة" الانتقام – لنفسى – من إحداهن وقد أدبرتْ ، ولكن فى كل الحالات لم – ولن – أشهر سيفى فى هذه المعركة إلا فى وجه صنم واحد يسمى .. المجتمع .

العجيب أن غنائم هذه المعركة كانت فى نظر الخصم "المجتمع" هى أهم من الفوز أو الخسارة ، ولا غرو فقد كانت غنائم "اقتصادية" استطعت من خلالها أن أكسر أكثر من حاجز ، أولها بداية العمل بشكل مستمر – وليس ثابت – مع أول سنوات الدراسة الجامعية ، وثانيها تجاوز "مكافئات الطلبة" إلى "رواتب الخريجين" وأنا أيضا فى المرحلة الجامعية من خلال الاعتماد على المهارات والدورات والنموذج الذى أعتز به فى هذا المضمار هو فترة عملى فى تعديل ووضع مناهج اللغة العربية لغير الناطقين بها (الفرقة الثالثة) ، أما ثالث هذه الحواجز هو الإبقاء على شكل الارتباط بالعمل بعد التخرج أيضا من حيث التحرر من فكرة العمل اليومى فى محوريه الثابتين (عدد الساعات/الراتب) إلى العمل بطريقة القفزات ، وذلك من خلال مبادرة إنتاج الأفلام الوثائقية وتسويقها ذاتيا عبر مجموعة من الأصدقاء مؤمنين بنفس طريقة العمل .
أزعم أن هناك دافعين لا ثالث لهما فى كل توجهاتى وهما متلازمين أيضا : الأمة .. الحبيبة ، برغم أن ملامح كل منهما قد تقترب أو تتباعد زمانا ومكانا حتى أشعر فى لحظات أنهما وهميتان ، وفى لحظات أخرى أنهما يتداخلان بنفسى تداخلا لا يكاد المراقب لى يظن إلا أننى أعمل من أجل نفسى وفقط ، لكن فضل الله ومنته أن ختم هذه المرحلة بذروة من ذرى الثورة ذات الشوكة ، ففى فترة الاعتقال القصيرة التى أنعم الله بها على ، لم أكن آنس فى زنزانتى الانفرادية سوى بالأمة ولم أكن أستوحش سوى الحبيبة .

إذن فما المشكلة فى أن أكمل فى خطى الذى اختطه لنفسى هذا ، وقد بدا من عرضى أنه مبشر ومنتج ويافع ، لم أريد الآن أن أعيد الارتكاز ، حول ماذا ؟ ولماذا ؟ ، هذه أسئلة أيضا يعرف الإجابة عنها تماما من يتابعنى متابعة دقيقة ، لكن من هو أبعد من ذلك لا يعلم أننى ما زلت أحسب كل هذه الإنجازات وأخصم كل هذه العثرات من مرحلة "العشرين" ، ما زلت حتى الآن أعتز ببطاقة هويتى التى توضح بجلاء أننى طالب فى دار العلوم ، ما زلت أتلعثم حتى ولا أذكر فى تعريفى أننى متخرج من كلية كذا بل ما زلت فيها ، ما زلت أطلق على سيرتى الذاتية "حصاد العشرين " ، وعلى إنتاجى الأدبى والعلمى "أوراق عشرينية" ، لزاما على الآن أن أودع كل هذا ، أن أبتسم للكاميرا ممسكا بالمذياع قائلا : عدنا .. عدنا وفقرتنا التالية هى الخمس سنوات المقبلة ، معايير جديدة ، إذا لم أنتبه لها ، لن يكون هناك خاسر غيرى ، ومع شخص لا تبدوا خساته فى أغلب الأحيان إلا مجرد إنجاز أقل ، فإننى لن أنجز شيئا .

إذن قد انتهت أخيرا .. ولن أستطيع البحث بعد اليوم عن الفتاة التى تكون أول من تدخل قلبى وأكون أول من يدخل قلبها ، لن أستطيع أن أعرض بعد اليوم بعض الأعمال التطوعية على أناس دون أن أردفه بالمقابل ، لن أدخل بعد اليوم المكان الذى أجد نفسى فيه أصغر الموجودين وأمهرهم أيضا ، لن أستطيع أن أنتظر الأتوبيس فى سعادة لأن ياقتى البيضاء ستعتاد على التاكسيات المكيفة .. لن أستمتع بعد اليوم باسمى مجردا من "أستاذ" دون أن اجتهد فى نصحهم بمناداتى به مجردا ، لن أسعد بعد اليوم بمنادتى به أيضا من قبل طفلة جميلة مجرد من "عمو" كما كان من قبل .. أهلا بكم فى عالمى الجديد .. عالم منتصف العشرينات ، إنه فى الحقيقة ليس محور ارتكاز لمرحلة مقبلة بين الـ 22.5 والـ 27.5 ، بل أخاله أيضا محور ارتكاز للعمر الخمسينى .


سيرتى المرئية

28‏/2‏/2010

اسمها منى

أسطرها فى ذكرى لقائها الأول الذى ما زلت أدعو المنان ألا يكون الأخيرا
...
ننفخ فى كفينا تدفئا ونحن واقفين على الرصيف بعد منتصف الليل نرقب عشرات الجموع التى ما زالت تتدفق على المدينة الساحلية الصغيرة ، يرن هاتفه فيرد عليه متلهفا كمن ينتظر خبر مولود سعيد إلى الدنيا ، ثوان وإذا به يتهلل ويكبر ويراجع محدثه أهذا صحيح هل تحقق الأمر بالفعل ؟ ، الله يعزكم .. الله يعزكم .. ويعزها ، أغلق هاتفه وتلقفت يداه ذراعاى يهزهما بحرارة : لقد فتحوا طريقا بريا ، وما هى إلا ساعة حتى ترى اللوحات المعدنية الخضراء على سياراتنا تتجول فى المدينة ، أستطيع أن أرسل من يحضرهم فالوضع أكثر أمنا الآن ، وفى لحظات أخذ يهاتف بعض الأشخاص ويتفق معهم على سرعة المجىء ، وتوخى الحذر ، والمكان الذى سينتظرهم فيه .

ساعة أخرى انتظرناها على الرصيف نرقب عشرات المركبات التى بدأت تتدفق على المدينة الساحلية الصغيرة ، أخذ يحكى لى كيف أن صغيرته ستطير فرحا بمدينتنا هذه ، فهى لم تر قبل ذلك أى مدن ، هى لم تخرج من سجنها الكبير منذ أتت إلى الدنيا ، قد حفظت كل الأماكن التى يمكن أن ترتادها وهى لم تتجاوز ست أعوام بعد ، يترقرق الدمع فى عينيه وهو يخبرنى كم كان يتمنى أن يأتى هذا اليوم الذى يستطيع أن يخرج بها وأمها وأخواتها فى طرقات لم يطئوها ، ومتنزهات لم يشموا روائح عطرها قبلا ، وشواطىء لم يتحسسوا ناعم رمالها بعد ، أغفيت قليلا وهو يحدثنى فقد كنت جد متعبا ، أشفق على وسمح لى بأن أسبقه للبيت وينتظر هو حتى يأتون .

ساعات من الليل وانفتحت عيناى على أشعة النهار وأصوات الريح تتلاعب بأمواج البحر وأوراق النخيل ، وإذا بصوتها يدوى فى أرجاء البيت ، يا الله لقد جاءت ، خرجت من غرفتى لأجدها أمامى غير منتبهة لى ، ترتدى معطفا ثقيلا يكاد يصل لأطراف أصابعها الصغيرة ، وتمسك بكيس من الحلوى التى ظهرت آثارها على فمها ولونت بها وجنتيها البدريتين ، لمحتنى بعيناها السوداوين فاخفت ابتسامة خجولة خلف أسنانها الصغيرة البيضاء وانزوت جانبا تلوذ بأخيها الصغير وتحنى رأسها للأرض ، لمست أناملى ذقنها رافعة وجهها الحيى إلى عينى : إذن أنت مُنى ، أجابت بتلقائية تريد أن تفلت بها منى : وهاد خوى إبراهيم ، وإختى ولاء الصغيرة هونيك (تشير إلى الغرفة المغلقة فى آخر الردهة) مع إمى ، وأخذت تجرى نحو الغرفة وتنادى : إمى إمى إمى .

ساعات من النهار وكنا نقف ثانية أمام البيت ،نحزم الحقائب ونتأكد من أن كل شىء على ما يرام ، يشكرنى على شىء حقه أن يوبخنى عليه ، ينظر لعيناى المنكسرتين فيربت على كتفى مخففا عنى :
- على الأقل اختلسنا ساعة من نهار .
- يمكنكم أن تبيتوا الليلة وتنطلقوا من الغد .
- لا يا أحمد قد طوقوا السوق ، وحمدت الله أن منى لم تراهم يفعلون ذلك ، كانت ستفلت ذراعى وترميهم بالحجر ، لم أخبرها بعد أن هناك يهودا خارج بلادنا ، وعلى كل حال لقد استمتعت اليوم ، شربت عصير القصب واشترت حليا لها ، أيضا زوجتى لم تشترى لها ولا للبيت شيئا منذ ثمانية أشهر ، ولا ندرى إن بقينا لليل فقد نفقد كل ما جمعناه فى الصباح .

نزلت وهى تنادى بأعلى صوتها وتجرى على : عمو أحمد عمو أحمد ، ما راح تاجى معنا .

لأجل خاطرك سآتى ، ولكن سأبيت عندكم ليلة واحدة فقط ، وبعدها تتركينى اتفقنا ، أخذت تهلل وتجرى حولى معلنة للجميع أنى سآتى معهم .

انتصب الطريق بنا فى طول غير معهود ، شعرت برأسى ثقيلة ترتطم بزجاج السيارة كل حين ، هؤلاء العشرات العائدين على جانبى الطريق قابلتهم بغير هذا الوجه فى الصباح ،أتذكر فرحة منى بالعريش ، بأسواقها التى لا تختلف عن أسواق غزة كثيرا فى الشكل لكنها ممتلأة وزاخرة ، بحدائقها الصغيرة التى لا تختلف عما رأته إلا بقدر المساحات السوداء التى تغطى بعض شجيراتها هناك ، شواطئها لا يفصل امتدادهما إلا تلك الزوارق المرابطة فى المياه من بعيد تعلن أن هنا بداية الشاطىء الغزاوى ، بعد ساعة توقفت السيارة على بعد بضعة مئات من الأمتار من مدينتهم ، نزل السائق يسئل عن سر توقف الطريق ، مئات من المركبات تغص بهم الطرقات من حولنا وكلهم ركود ، عاد السائق بعد هنيهة ، اتكأ بذراعيه على باب السيارة ، وأدخل رأسه عبر النافذة النصف مفتوحة موجها الحديث إلينا : لقد أغلق المعبر من ساعة ، إما أن تبيتون هنا للصباح وإما أن تسيرون من هنا – مشيرا إلى طريق ترابى يسلكه راجلون - على الأقدام إلى أن تصلوا .

نزلنا مضطرين ، أن تحاصر فى بيتك خير من أن تحصر فى بيت جارك ، هكذا قالوا ، وهكذا دفعنا للرجل مئة من الجنيهات فى مشوار لم يكن يحلم بأن يحصّل منه سوى عشرة جنيهات ، كما لم يكن يحلم أى سيناوى بأن يغتنى فى هذه الفترة القصيرة ، وأن يبيع بأضعاف أثمان ما كان يبعيه ، وأن يكون حصار أناس فى أرض كتب الله أن تجاورهم ، هو رخاؤهم وغناهم فى غفلة من الزمن ، بل فى وهدة من الأيام تكاد تذهب بالدماء التى نزفت على هذه الأرض المطهرة عبر الأزمان ، تركت أفكارى المصرية ترحل مع السائق و بدأنا فى المسير ، ها قد أذنت الشمس على المغيب ، وها قد بدأت أشعة غروبها تبث ألوانا من البؤس والحسرة على عشرات بل مئات من الوجوه السائرة من حولنا نحو مصير محتوم ، تلون وجوه الأطفل والنساء والكهول بألوان عشرات من شجيرات الزيتون التى نخترق أراضيها وصولا للسور ، كالمسروق منهم فرحة بالعيد ، فى مشهد طالما بكيت أمامه فى "التغريبة الفلسطينية" وفى "باب الشمس" ، فى مشهد لا يظهر منه إلا الأبيض والأسود فى عشرات من شرائط توثيق النكبة أراه هنا كامل الألوان ، يبعث فى النفس ما يبعث ، يحملنى على أن أعتصر يد منى من فرط الحرص وأنظر إليها كل فينة : منى تعبت أحملك قليلا ، لا أنا كبيرة مو متل إبراهيم وولاء ، أنظر إلى أبيها يحمل الطفل وإلى أمها تحمل حملين حمل فى رحمها عمره ثلاثة شهور وحمل على ذراعيها عمرها زهاء سنتين ، أهز رأسى موافقا وأكمل المسير ، ومع تصاعد الغبار- من المسير- الذى بدأ يتحالف مع خيوط الليل السوداء فى سد الآفاق من حولنا وجدنا أنفسنا أمام السور وعشرات من السلالم المنصوبة على جانبيه ليتمكن الناس من العبور بعد أن أغلقت المنافذ التى فتحت عبر اليومين الماضيين ، وما إن اقتربنا أكثر حتى وجدت هذه الأصوات المألوفة لدى تنادى : يالا السلم ب5 جنيه ، وابتلعت حسرة طويلة ، وانطوت نفسى على جمرات كدت أقذفها فى وجوههم المنفرة وأبواقهم المنكرة ، فلا يفصل بين السور – المهدم أصلا – والأرض إلا أقل من مترين ولولا صغيرتى لكنت صفعتهم ومررت .

......

"تكبير .. الله أكبر .. تكبير .. الله أكبر " " منصورة ما منصورة يا حماس منصورة " " أبا العبد .. احنا معاك .. أبا العبد " .. فتحت عيناى بصعوبة على هذه الأصوات ورحت أتلفت حولى ، فلم أجدها ، الأصوات تأتى من النافذة ، تتضح شيئا فشيئا إنها ليست إلا أصوات لأطفال ، لكنها تشبه مظاهرة صغيرة ، رحت على النافذة أفتحها سريعا فإذا بالضوء يعشى ناظرى قبل أن أتقيه بذراعى وأنظر بروية إلى حديقة المنزل لأجدهم يتوسطونها بأرجوحتهم المتواضعة ، وكقائد لكتيبة بذراعها تطيح منى بالأطفال على الأرجوحة ، وتزعق بصوتها : تكبير .. فيردون بصوت يهز المكان : الله أكبر ، أخذتُ أنفاسى بعدما اطمأننت أن الحرب لم تقم بعد ، وقبل أن أبتعد مرة أخرى عن النافذة لمحتنى فتركت الأطفال وجرت نحو سلم المنزل تنادى : عمو أحمد صحى .

دقائق ووجدتها تدخل على بصينية كبيرة ويحاول أبوها عبثا أن يساعدها وهى تأبى وتسرع بها حتى كادت أن تسقط الأطباق كلها على لولا أننى تداركتها متبسما : شطور يا منونة انت ياللى جهزتى الفطور لحالك .
- آه ، بس البطاطس لأ .
- أخذت تضحك هى وأبوها وأنا لا أعرف مغزى الطرفة .
أخذت تبدى دهشات مصطنعة وتقول : عمو أحمد انت تحب الطاطس ؟
- فأومىء بالإجياب وقبل أن أبدأ فى تلقينها درسا تربويا عن حب كل المأكولات لأنها رزق من الله ، تأخذ هى فى الضحك وتقول : عنجد تحب البطاطس الصفرا ، يعنى انت فتحاوى ، بابا عمو أحمد فتحاوى ، متل دحلان وأبو سميح
- أخذتنى ضحكة شديدة من فرط المفاجئة ، لكننى اصطنعت بعدها الجهل : ليش منى الفتجاوى مو منيح ؟
- زمجرت الفتاة وقطبت عن جبينها بشدة : لا مو منيح ، كيف يعنى منيح وهو ما بيحارب اليهود ، وبيطخ فى حماس ، ثم انقضت بيدها على حفنة من تلك الصوابع الصفراء ودستها فى فيها الصغير وهى تضحك .

أخذنى الإعجاب بذلك المجتمع الذى يصل أطفاله إلى هذه الدرجة من الوعى السياسى فى معركته الداخلية فضلا عن الخارجية منها ولكن رأسى لم تكن فى سعة من التفكير والتحليل الكثير وقتها ، فمنى تنظر إلى رد فعلى الواجم هذا ولا تفهم ما الخطأ فى حديثها ، حاولت أن أدير الموضوع : منى انت ما حكيتى لى إنك راح تعرفينى على عمو ، فهرعت إلى درج المكتب فى الغرفة وأخرجت صورة كبيرة احتضنتها بقوة وأتت بها إلى :

- شوف هذا عمى الشهيد إبراهيم ، أنا بحبو كتير ، ولما نستشهد متله راح نروح كلنا الجنة ونعيش من بعض ، مو هيك بابا
- توقفت الكلمات فى حلقى ولكنها أكملت
- شايف هاد الكلاشين تبعه ( وأخذت تهز رأسها وتقول بلهجة عجب ) عمو أحمد أنا بعرف أسلخ نار ، رحت مع بابا عالجبل وسلخت نار ، انت تعرف تسلخ نار عمو أحمد .
- غاصت الكلمات فى جوفى ، وتذكرت فورا ذلك الصوت الذى هز أركان المعسكر منذ وقت مضى "دفعة 87 تأجيـــــل" ومشهد مئات الشباب وهم يسجدون على الأرض فور سماعهم الخبر ، مشهد تلك الدولة التى أفلحت فى أن تنفر أجيالا بأكملها من السلاح فرارها من الأسد !
أشفق علىَّ أبوها وجذبها من بين ذراعى : منى ما راح تفرجى عمو على أساورك .
- فمدت إليها ذراعها الأيمن الممتلىء بحلقات بلاستيكية ذهبية وملونة وقالت فى دلال : ماما جابتها إلى من العريش ، حلوة عمو؟
- أمسكت بأناملها الممتدة وطبعت قبلة حانية على يدها الرقيقة مداعبا : انت أحلى يا منونة .


الشمس ساطعة والسماء تمطر بغزارة ، مشهد ودعتنى به سماء تلك المدينة المطهرة ، لا أدرى كيف شعرت ساعة الوداع أننى ما كنت هناك إلا بخلدى ، ما سافر معى جسدى كل هذه المسافات ، تركته هناك بأرضه ، أستلمته الآن على الحدود ، ألقيت به فى أول سيارة مسرعة ودعته من بعيد بقلب تركته عند مالكيه ، أخذت أغفو وتميل رأسى على زجاج السيارة المضبب ، أخذت أتخفف منه فى أحلام بعيدة ، أصوات الأطفال ، مذاق الزيتون ، زمجرة النيران ، دفىء البيوت ، ضربات مساند "القعدة العربى" التى تنهال فوق رأسى منها ومن أخيها، لوحات يتداخل فيها جسدى بجسديهما ، ألوان تتمازج فيها نبراتى بضحكاتها ، أمواج من البحر تتلاعب بخصيلات من شعرها ، ذرات من الرمل تتراسم بخطوط من أناملها ، أخذت أحلم بكل هذا طويلا طويلا ، ليالى وأياما ، لا أود عندما يراودنى أن أفيق ، ما بال موقظنى اليوم يصرخ فى أن أفق أفق ، فتحت عيناى قليلا ، ألقى على الخبر ، انقلبت من على الفراش وطاح جسدى فى الغرفة حتى استويت إلى جهازى وأخذت أقلب فى الشبكة وأكتب بحروف مرتجفة على محرك البحث فى الأخبار "نزار ريان" وما أن ظهرت النتائج حتى اختفى كل شىء من أمامى ، صحت صيحة عويل مدوية ، سقطت على ظهرى ، توقفت أنفاسى للحظة ، انعدلت إلى التلفاز ، وما أن رأيت الحلم محطما أشلاء حتى على صياحى وفر الدمع فى كل عروقى كالمذبوح ، حفرة عميقة حيث كان البيت العامر ، نيران ملتهبة حيث كانت الحديقة الغناء ، استشهد الشيخ ومعظم عائلته ، شهقت شهقة تنميت أن تذهب بروحى ، سقطت مرتجفا كالمشلول ، أجأر ببكاء لم تشهدة عينى من قبل ، فى محاولة يائسة ككل يوم – منذ بداية الحرب – أتصل بوالدها ، فى لقطة فريدة من الزمن أسمع صوته من بين الدمار ، مختنق بالدمع ، ملتفع بالصمود : أبى يا أحمد واتناش من عيلتى ذهبوا ، أمى يا أحمد ، إخوتى يا أحمد ، أخواتى يا أحمد ، أولادهم يا أحمد ، بناتهم ، خالاتى يا أحمد ، وما أحمد كى ينطق فى مثل هذا الموقف إلا ذهولا يردد بضعف : صبرا آل نزار إن موعدكم الجنة .. صبرا آل نزار إن موعدكم الجنة .

غابت البسمة عن عينى منى فى أحلام ما بعد الحرب ، وما الأحلام إلا سذاجات بنى آدم التى لا يسطيعها إلا بإغلاق أجفانه ، نعم لن أقوى على فتحها أمام عينها وقد ازدادت صمودا على ما كانت ، كيف ستكون إذن ، كيف بها تعرفنى إلى أهلها جميعا فى الصور ، ترصصها إلى جوار عمها إبراهيم ، جدها نزار ، زوجاته ، أعمامها ، عماتها ، لكنها تسرع إلى الغرفة المجاورة – كمن نسيت شخصا تريد أن أتعرف عليه – وتحمل بقوة على ذراعيها أخيها الذى مر على مدينتنا وهو فى رحم أمه ، تحمل نزار الصغير ، تحمل النبتة التى خرجت وتخرج بكل قطرة دم على هذه الأرض المطهرة ، أراها تقترب به منى ، إنها تكاد تلمس ذراعى ، لا إنها تغوض بأناملها فيه بقوة ، أكاد أشعر بطاقة تعترى جسدى كله ، أغمض عيناى أكثر ، تهز فى ذراعى أكثر وبقوة ، تنادى بصوت خفيض أنظر إلى ، افتح عينيك ، أبى أبى أبى : أستيقظ مذهولا من الكلمة ، تنظر عيناى فى سقف الغرفة المظلمة ، أتطلع إلى مصدر الصوت بجوارى ، أنزعج متسائلا : أروى .. ماذا بك يا صغيرتى !

تجيب الصغيرة التى بدأت تفرك فى عينيها اللامعتين برغم خفوت الأضواء : أريد أن أنام بجواركما .

أطبق بإصبعى على فيها : لا تسمعك أمك .

تنظر إلى بنظرة عتاب أضعف أمامها ، أسحب ذراعى من تحت الحالمة بجوارى كى ألتقف به صغيرتى مبتسما فى خبث تندرى ، وهى تكتم الضحكات بكل ما استطاعت ، حتى إذا استقرت بيننا همست : أما الآن فالحكاية أولا .

أحك رأسى مصطنعا التفكير : طيب الحكاية أولا .. كان فيه بنت اسمها .. اسمها .. اسمها !

تتسع عيناها كمن عرفت الإجابة وتلهفت إلى سماع القصة التى أرددها كثيرا ولا تمل منها وتقول بصوت واحد تتبعها ضحكات عالية : اسمها منى .


12‏/11‏/2009

أوراق عشرينية

إهداء
.........
إلى مَحضَن هذه الأوراق .. إلى بيتى الجليل .. أبى وأمى

ثم إلى كل من اقتت من حبها لإنشاء هذه الأوراق وإتمامها فى هذه السن من الحياة ...
2008



المقدمة

عمل كهذا لا يمكننى أن أضع الإهداء عليه هكذا عبثا أو من قبيل المجاملة ، أو حتى الذوق الاجتماعى ، الذى أسميه ( الكذب / النفاق ) الاجتماعى ، لكننى بحثت جديا عن الرابط الحقيقى والمستمر الذى مكـّن لهذه الأعمال - مجتمعة بين دفتى هذا الكتاب - أن تخرج للنور ، فوجدته فى ذلك البيت الذى ضمن لى قدرا من الاستقرار ، جعل من استمرارية هذه الأعمال ، وسيرها متوازية حينا ، ومتوالية حينا ، أمرا ممكنا ، هذا البيت لم أقصد به جدرانا ولا أثاثا ، ولكن قصدت به والدى وأمى ، فكما ذكرت هما محضن هذه الأوراق بلا منازع .

ولكن يبقى من أعطانى قوة الدفع ، ومن يزودنى الفينة بعد الأخرى ، كى أمضى قدما فى هذه الأوراق ، ومن فى سبيله أيضا قررت أن أجمعها وأخرجها دفعة واحدة ، يبقى الحب ، ذلك الثوب الموشَّى الذى تلبسه كل حين إحداهن وتأتلق فيه ، فيبعث من ألقه طاقة لا تخبو إلا بقدر ما تنزعه هى عن نفسها ، أعترف أن هذه الطاقة كانت طاقة عطاء منى لا أخذ ، نعم فلم تزودنى أيا منهن بطاقة الحب تلك ، ولكن أنا من زودت نفسى بنفسى ، وإن أخذت منهن وسيطا لذلك ، أتكلم عنهن وكأنهن كثيرات ، ولكنهن واحدة ، واحدة فى حلمى ، عديدة فى صحوى ، ليس لها وجود فى واقع حياتى ، أتمنى فعلا أن تحل ، وأن تلازم ثوبها ولا تنزعه عن نفسها أبدا ، وأن تعطينى ما بذلتـُه لها طوال السنوات الأربع أو الخمس ، وأن أخرج الطبعة الثانية وعليها الإهداء لها اسما لا رسما .

أما عن الكتاب فإنه مجموعة من الأعمال التى تم إنجاز معظمها فى عامى 2007 / 2008 ، وعلى التحديد من يوم ميلادى العشرين إلى الواحد والعشرين ، هذه الفترة التى خرجت فيها بعض كتاباتى إلى النور من خلال المدونات الإلكترونية التى أنشئت منها خمسا خلال هذا العام ، والبعض الآخر من خلال العمل المهنى أو الدعوى المنشور فى بعض المواقع والمجلات ، أو النهضوى المنفذ على أرض الواقع .

وقد دفعنى إلى تجميع ذلك إثبات نظريتى فى أن فتية هذه الأمة - وأنا واحد منهم – لديهم الكثير لكى يقدمونه فى هذه السن ، وحتى لو لم تقدم أى دار نشر على الطبعة الأولى هذه ، أو بالأحرى لم أحاول أنا ، فأنا متيقن من أن خروج طبعات تالية سيكون على نطاق أوسع .

وقد قسمت هذه الكتابات إلى ثمانية فصول :

يأتى الفصل الأول ببعض الكتابات الأدبية التى كتبتها حول مواقف مررت بها فى حياتى أكثرها فى الحب ، وليس فيها إلا حلقات " عائد من غزة " التى خرجت عن هذا الإطار ، وهى تبدأ بـ " عندى عشرون " ، وتنتهى بـ " الحادى والعشرين " ، وتتخذ من القصة القصيرة شكلا فنيا لها فى معظمها .

الفصل الثانى حشدت فيه معظم المقالات السياسية التى كتبتها فى أعقاب الأحداث المتعلقة بها ، سواء المنشورة على مدونتى أو المنشورة فى مجلة " خطوة " التابعة لنموذج منظمة المؤتمر الإسلامى ، ومعظمها أعمال تعلقت بغزة وحماس ، ولا يخرج عن هذا المضمون سوى مقالة عن أحداث المسجد الأحمر بباكستان ، وأخرى عن استقلال كوسوفا .

الفصل الثالث يتضمن الأعمال البحثية التى قمت بها ، ومنها الاجتماعية كبحث " الحتمية العمرية للزواج " ، ومنها الدينية كـ " لنعلم من أين نؤتى " ، ومنها المحقق كتحقيق " الذئب المزيف " ، ومنها عرض لكتب فى مجال الفلسفة الإسلامية ، وفى نهايته عرض لدراسة قمت بها مع زميل لى فى مجال تدريس اللغة العربية للأجانب .

الفصل الرابع عن بعض الرؤى و النظريات العامة التى نظـَمتـُها وهى ثلاثة ، واحدة فى الحب ، والأخرى فى الثورة وتطبيقها على نموذج مجمع اللغة العربية " أبجد " ، والأخيرة فى حركة البناء النخبوى ، تحت مسمى " الفراقد " .

الفصل الخامس عن بعض المشاريع التى قمت بها ، ضمن فريق عمل ، كمشروع البرنامج والنشرة الشبابية ، أو قمت بصياغتها منفردا ، ثم طبقت ضمن فرق عمل ، كنموذجى مجمعى اللغة العربية والبحوث الإسلامية " أبجد – أسلم " .

الفصل السادس يحتوى ست مقالات فى مواضيع شتى منها اجتماعية ، ومنها ثقافية ، وأخرى فنية ، ومنها ما نشر فى مجلة " خطوة " ، أو ما نشر فى مجلة " المنبر " .

الفصل السابع خصصته لأعمالى الصحفية مقسمة على ثلاثة أبواب ، الباب الأول بعض القطع الصحفية الخاصة بالكلية أو الجامعة والتى لم أنتجها لجهة معينة ، ونشرت فى " المنبر " ، أما الثانى فهو تغطيات لبعض الفعاليات الثقافية التى كنت أداوم على حضورها ، والأخير مجرد عناويين لثمان وثمانين قطعة صحفية نشرت لى على جريدة المصريون الإلكترونية .

أما الفصل الثامن والأخير فبه أختم بست مقالات لخواطر لى تقع جميعها فى الشق العاطفى من الحياة .


........................................................................................................................................................

الفهرس ( بالروابط المتاحة )

المقدمة ................................................................... 2

الفصل الأول : قصص ذاتية

عندى عشرون ........................................................ 5
أخيرا خطبت .......................................................... 9
مئوية حلمى ......................................................... 13
حالة حب ............................................................ 15
ليست معى ........................................................... 22
غريم الشجن ......................................................... 24
كن كالسحابة .. تمطر حبا.............................................. 28
عائد من غزة (1،2،3،4) ............................................. 30
الحادى والعشرون .................................................... 39

الفصل الثانى : المقالات السياسية

قمة حماس وقاع عباس ............................................... 44
غزة .. حقائق وأباطيل ............................................... 47
غزة .. نزيف الحصار ................................................ 56
مصر بتلعب .. إسرائيل بتضرب .. غزة بتولع ........................... 58
المسجد الأحمر .. ودروس للأمة ....................................... 60
هل نعترف باستقلال كوسوفا ؟ ........................................ 67

الفصل الثالث : البحث العلمى

1- الأبحاث :
الحتمية العمرية فى الزواج ......................................... 70
الإساءة مجددا ( انتصاف الغرب للنبى الكريم ) ........................ 92
تحليل توصيفى لبعض مقررات تعليم العربية لغير الناطقين ............. 199
2- عرض كتاب :
الاستشراق والتبشير ............................................. 215
15 التجسيد والصلب ............................................. 226
المنن الكبرى .................................................... 230
كتب فى الأدب ................................................... 245
3- تحقيق :
مخطوطة " الذئب المزيف " ....................................... 263


الفصل الرابع : النظريات

الفراقد .. نظرية فى البناء النخبوى .................................. 283
أبجد .. تجربة فى النهوض الثورى .................................. 305
أرود .. رؤية فى الحب الطاقوى ..................................... 316

الفصل الخامس : المشاريع

برنامج من قلب الجامعة
نشرة إخبارية شبابية
نموذج مجمع اللغة العربية ( أبجد )
نموذج مجمع البحوث الإسلامية ( أسلم )

الفصل السادس : مقالات متفرقة

إنما تنتزع الحقوق ولا تستجدى
حرب الدوائر
ب ر ق
الضمير العربى والتكريس لحالة الانهزام
شجر الليمون
تأخر الزواج ومجانية التعليم


الفصل السابع : الأعمال الصحفية

تغطيات خاصة
عناوين المصريون

الفصل الثامن : خواطر

أنت وعصرك .. التأثير والتأثر
إحساسان فى آن
وانفتح الجرح

دماء فلسطين .. وطعنات خائنين
ليلة سقوط الخلافة العثمانية

25 يوم وخواطر عالقة
انكسرت .. انتصرت !

المؤلف مسطورا .......................................... 398

8‏/11‏/2009

أبجد .. تجربة فى النهوض الثورى (1)



تجربة .. نهوض .. ثورى .. أبجد ، أربع كلمات وردت فى عنوان العمل ، يجب أن ألقى عليها بعض الضوء قبل الشروع فيه :

تجربة .. هنا بمعناها العلمى أى تتبع الخطوات التالية :

1- تحديد حقل التجربة وموضعها .
2- قراءة ورفع للواقع ، وجمع للمعلومات فى هذا الحقل الذى سيجرى العمل فيه .
3- البدء فى تنظيم المعلومات ، و التوفيق بين هذه العناصر المتجمعة لدينا .
4- وضع الفروض لنجاح التجربة ، ثم البدء فى تجريب الفروض ، ومع فشل صحة كل فرض يصبح لدينا طريقة خاطئة تؤكد اقترابنا من الطريقة الصحيحة .
5- الوصول إلى الفرض الصحيح الذى يوصلنا للنتيجة المرادة من التجربة ، ومن ثم تطبيقها على الحقول والمجالات المشابهة .

النهوض .. هو ذلك العمل الحضارى الذى يعزم عليه مجموعة من المجتمع القيام به ضد حركة ركود أو بطء حضارى فى المكان والزمان الحاويين لهم .

الثورى .. هو الطريق أو الوسيلة التى يتخذها العمل النهضوى مقابلة بمناهج نهضوية وتغييرية أخرى ، وهو لا يعنى العنف أو القسوة فى طريقة توقيع التجربة النهضوية ، ولكن يعنى أن هذه التجربة تقطع تماما بين ما قبل التجربة وما بعدها ، وتنفصل انفصالا تاما عن معطيات الواقع ، فتحدث بذلك ثورة فى الواقع المركوم .

أبجد .. هو نشاط طلابى استطاع أن يغير من قواعد العمل الطلابى فى كلية دار علوم – حقل التجربة – أو بالأحرى استطاع أن يكسر كافة قيود العمل الطلابى فى هذه الكلية ، وقد مر بأطوار عدة على مدار أربعة أعوام ، واستوى على سوقه فى آخر فصل فى هذه الأيام ، وهذه التجربة تحمل فكرى الخالص فى رؤيتى للتغيير وللعمل النهضوى فى فترتنا الحالية على مستوى الجامعة ، وعلى مستوى القطر المصرى ، ومن ثم الحالات المشابة فى العالم الإسلامى .



أولا : حقل التجربة ( دار العلوم ) :

هى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، ولن أخوض فى تاريخ هذه الكلية الذى يسبق جامعة القاهرة نفسها ( أول جامعة فى مصر ) بثلث قرن من العطاء ، ولن أسرد أيضا رجالها الأفذاذ من العلماء والأدباء والمصلحين والمجددين ويكفى أن منهم أمثال حسن البنا وسيد قطب ( وذكرهم هنا من ناحية قوة التأثير ومداها ) ، ولن أعدد أيضا المواد التى كانت تقرر فى هذه المدرسة – قبل أن تصبح كلية – ولا تاريخ تطورها الطويل ، ولكننى سأركز أكثر على واقع هذه الكلية وما آلت إليه بعد انضمامها إلى جامعة القاهرة (1946) . حيث أصبحت متخصصة فقط فى العلوم العربية والإسلامية ، موزعة على أقسام : النحو والصرف والعروض ، الدراسات الأدبية ، البلاغة والنقد الأدبى والأدب المقارن ، علم اللغة والدراسات الشرقية والسامية ، الشريعة الإسلامية ، الفلسفة الإسلامية ، التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية .

وتدرس مواد هذه الأقسام على مدار أربعة أعوام بلا تخصص إلا فى مرحلة الدراسات العليا مما يجعل الطالب ملم باللغة العربية إلمامه بالشريعة الإسلامية ويستعين بتلك على هذه ، وبهذه على تلك ، وهو فى ذلك قد يجمع مالا يجمعه الطالب الأزهرى الذى يتوزع ما بين كلية لغة عربية أو كلية أصول الدين أو شريعة أو دعوة ، ذلك فإن لائحة دار العلوم هى الوحيدة التى تسمح لطلاب وطالبات المدارس الأزهرية بالالتحاق بها ، وبذلك تعد حلقة وصل مهمة بين مؤسسة الأزهر ، والجامعات المصرية ( حيث أنشأ للكلية مؤخرا فرع فى الفيوم وآخر بالمنيا ) .

هذا على مستوى المحتوى والمضمون الذى يؤهلها لكى تكون رائدة للإصلاح ، ومحضنا للفكر والتجديد الإسلامى ، ومصنعا للإسلاميين قادة ونخبا ، أما على مستوى الشكل فهى تعد كلية داخل الحرم الجامعى تسرى عليها كافة أوضاع الكليات ولوائحها ، بل وتزيد عليهم لخصوصية وضعها ، فالبعض يعتبرها جسدا غريبا على نسيج الجامعة يجب لفظه ، والبعض الآخر يعتبرها نقطة مضيئة ، وعلامة صحة ، فى هذا النسيج الجامعى .

إذن فمجال التغيير والتجريب فى هذه الكلية يصلح لأن يكون من ناحية مجالَ تطبيقٍ للعمل النهضوى فى الفكر والحركة الإسلامية ، وبالتالى يصلح للتعميم أو الاحتذاء على الأقل ، ومن ناحية أخرى يصلح لأن يكون نموذجا للإصلاح على مستوى أى كلية فى الجامعة ، ثم على مستوى الجامعة نفسها ، والتى هى جزء من هذا الوطن ، وتدار بنفس الطريقة التى تدار بها المؤسسات الأخرى التى تحتاج إلى عمل إصلاحى لتقويمها وتطويرها .

ثانيا : رفع الواقع :

أ - الفئات والقوى :

من جانب الفئات فإن الكلية تتوزع فئاتها – على الترتيب من حيث العدد – على الطلاب والأساتذة والموظفين ، وتتكون ست قوى من هذه الفئات – على الترتيب من حيث التأثير – الأمن وطلاب الإخوان والإدارة واتحاد الطلاب والطلاب العاديين .

وإذا نظرنا إلى ما يقابل هذه القوى خارج الجامعة سنجد أن قوة الأمن تأتى على رأسها ثم يتفاوت مدى تأثير القوى المسيسة كالإخوان وغيرهم مع الحكومة ( والتى هى الإدارة ) ، ثم يأتى أعضاء مجلس الشعب كنظير لاتحاد الطلاب ، والمنتخبين من جموع المواطنين ، والقاعدة العريضة منهم كالطلاب العاديين الغير مؤثرين .

ب - قواعد العمل الطلابى :

لا يمكنك أن تتلمس قواعدا محددة للعمل الطلابى داخل كلية دار العلوم بالذات ، لأنها أحيانا تساير القواعد العامة التى تعمل بها الجامعة بحجة أنها كلية داخل الحرم الجامعى يسرى عليها ما يسرى على باقى الكليات ، وأحيانا تخالف كل قواعد الجامعة وتزيد فى تعقيدات غير موجودة فى بقية الكليات بحجة أن لها خصوصية ، وهذه الخصوصية هى إدعاء أن بها أكبر قاعدة لطلاب الإخوان المسلمين ، وبذلك فإن التدابير الأمنية الزائدة هى فى صالح الكلية حتى لا تتم " أخونة " الكلية كما يدعون ، وبالطبع فإن حقيقة القاعدة الأكبر للإخوان فى الجامعة لهى حقيقة قديمة –تغيرت الآن بالطبع - يعرفها رجال الأمن جيدا ، ولكنها فقط تقف كحجة يلوكها بعض الأساتذة والموظفين الإداريين لسن المزيد من القوانين المقيدة للعمل الطلابى .

وبوجه عام فإن الجهاز الرسمى للتعامل مع نشاط الطلاب فى الكلية هو جهاز رعاية الشباب بالكلية ، والذى هو خليط من أساتذة وموظفين إداريين مسيطرٌ علي معظمهم من قبل قيادة حرس الكلية ، ويساعدهم طلبة مجندين لإدارة الصراع مع أى قوة طلابية غير مرغوب فيها ، وهذا الجهاز يتعامل مع كافة طلاب الكلية المنقسمين إلى :

1- طلاب دار العلوم المستهدفين من خدمات رعاية الشباب التعليمية كطباعة الجدول وملازم الامتحانات ، والخدمية كتعليق الملصقات واللوحات الإرشادية وعقد الدورات الحرفية ، والترفيهية كالرحلات والحفلات .

2- الطلاب المحظورين وهم فى أغلبهم من طلبة الإخوان ، وهم محظورون من التعامل الرسمى كدخول الانتخابات أو استلام دعم الكتب فى بعض الأحيان .

3- طلاب النشاط ، وهم الطلاب المعتمدون داخل رعاية الشباب ، ويمثلون الطبقة التى يتم اختيار اتحاد الطلاب منها ، فكما أن الحكومة لا تختار إلا من أعضاء الحزب الوطنى ، فإن اتحاد الطلاب لا يتم اختيارهم إلا من الفئة المسماه بـ " طلاب الأنشطة " ، والتى يصدر باسمها كافة الفعاليات إبان فترة انتخاب الاتحاد الجديد فى كل عام ، ولا تحتاج عضوية هذه الفئة إلى انتخابات أو ترشيح وإنما هى عرفية ، تسحب على كل من يقدم خدمات للرعاية ويعمل تحت مظلتها .

أما القنوات الشرعية التى يعتمدها هذا النظام كقنوات رسمية للنشاط داخل الكلية فتتمثل فى :

1- اتحاد الطلاب :

وهو المنظومة الأساسية التى تمثل الطلاب داخل أى كلية ، وتعمل على توفير احتياجاتهم ، وتلبية مطالبهم ، والترشيح فى انتخابات هذه الاتحادات مسموح لكل الطلبة ما عدا الباقون للإعادة والموقع عليهم عقوبات تأديبية بناء على قرار من مجلس تأديب محالون إليه من قبل الشئون القانونية فى الكلية عن طريق التقارير الأمنية فى معظم الأحوال ، أما الفائزون فى هذه الانتخابات فيشترط فيهم – عرفيا – أن يكونوا من طلاب الأنشطة الموثوق فى تبعيتهم لرعاية الشباب .

2- الجماعات الثقافية والجمعيات العملية :
وهى جمعيات تتبع لجان معينة فى الاتحاد وعلى رأسها اللجنة الثقافية ، ولكنها مستقلة فى إدراتها حيث يترأس كل جماعة عضو هيئة تدريس – فى الغالب معيد – ويباشر بنفسه عمل هذه الجماعة بتنسيق غير مباشر مع رعاية الشباب .

3- أسر الكلية :

وهى أشبه بالنظام الحزبى الصورى حيث تتبع هذه الأسر لجنة فى الاتحاد وضعت باسمها ( لجنة الأسر ) ، ويشترط لكل أسرة عدد من المؤسسين لا يقل عن خمسين طالبا وطالبة بدون أى شروط ، وتوقيع أستاذ كرائد للأسرة ومعيد كأمين للصندوق ، وفى الغالب يتم إلغاء ورق الأسر التى يمثل فيها الطلبة المحظورون النسبة الأغلب ، وهذه الأسر يتم وضع لوائح خاصة بها ، وتجدد كل عام بقيود أكثر لضمان عدم خروج أى أسرة عن الخطوط المرسومة من قبل رعاية الشباب .

إذن فمجمل قواعد العمل الطلابى تتسم بأنها :

1- محددة بزمان ومكان ، فلا أنشطة قبل انتخاب الاتحاد ولا أنشطة بعد حفل ختام النشاط ، ولا نشاط للأسر فى الفصل الدراسى الأول بإطلاق ، وبالطبع فإن المكان الممارس فيه النشاط هو أروقة الكلية فقط ، اللهم إلا إن كانت مسرحية أو حفل ضخم فيعقد فى مسرح الجامعة ، أو رحلات بإشراف ممثلى الرعاية .

2- لا تتم بإرادة كاملة للطلبة حيث يشترط فى أى نشاط أن يشرف عليه موظف من رعاية الشباب بالإضافة إلى عضو من هيئة التدريس ، فلا تخرج أى ورقة من رعاية الشباب ، ولا تعلق إلا وعليها إمضاء وختم مدير إدراة رعاية الشباب ، ولا يعقد أى اجتماع لأى مجموعة من القنوات الثلاثة الشرعية السابقة إلا ومعهم الموظف المختص أو عضو هيئة التدريس المسئول أو كليهما ، وأى اعتراض من أحدهما يوقف فورا أى خطوة يتخذها الطلبة .

3- لا تتمتع بالجدة أو الإبداع حيث يتم عملية قولبة لمعظم فعاليات الأنشطة ، فالجماعات مثلا كجماعة الشعر أو الإلقاء يقتصر دورها فى المهرجانات واللقاءات داخل الكلية فقط ، والأسر يحدد نشاطها فى مجلة حائط ودورة ثقافية وندوات ( خمس ندوات فقط ) ، ورحلات تقسم أيضا إلى رحلة واحدة داخلية ( فى القاهرة ) ، وأخرى خارجية ( إلى إحدى المحافظات ) ، وهكذا .

4- لا تتم الموافقة عليها إلا بعد مدة من الزمن ، فلا يتم الموافقة مثلا على تعليق مجلة حائط إلا بعدها بأسبوع ، وإن كانت كل هذه المدة من أجل مجلة حائط ، فإن الندوات أو الرحلات تحتاج إلى أكثر من ذلك ، وتحتاج أيضا إلى عدم معارضة أمن الكلية .

5- عدم الاستمرارية ، فهى فعاليات متفرقة غير منظمة فى نسق موحد ، كأن تكون دورة على مدار العام ، أو سلسلة محاضرات أو فعاليات فى اتجاه واحد ، وكل عام يأتى من يبدأ من جديد أو يكرر عمل أسلافه فى العام الماضى ، ولذلك فإن الكثير من الأسر الطلابية مثلا تموت بتخرج أعمدتها .

ج - مستوى أداء الكلية :

كلية دار العلوم كلية لها تاريخ واسم كبيرين ، وقد ظل هذا الاسم وحده يعطى للمنتسب إليها ثقلا أيا كان مستواه ، ولكن بالنظر إلى العقود الثلاثة الأخيرة فى الكلية نجد أن مستوى أداء الكلية قد هبط كثيرا عن سالف عهده قبل وإبان انضمامها لجامعة القاهرة ، بحيث احتفظت بقيمتها فى ذاكرة من عاشوا عقودها الذهبية فى أوائل ومنتصف القرن الماضى ، ولكنها توارت من مشهد الأجيال الناشئة ، ولا أذكر أن طالبا فى صفوفنا الثانوية ذكر أمامى هذه الكلية ، وعندما قابلت اسم الكلية فى أوراق التنسيق سألت عنها كثيرا حتى عرفت عنها بعض المعلومات ، وإلى الآن عندما أذكر أمام أكثر الشباب أننى خريج كلية دار العلوم ، يتسائل مباشرة : وما الفرق بينها وبين كلية العلوم ؟ ، ويرجع هذا الأفول للكلية لعدة عوامل :

1- ذهاب أعلام الكلية الكبار .
2- ضعف المناهج الدراسية .
3- التوجهات الرسمية لإضعاف مكانة الكلية .

وشرح هذه العوامل قد يحدث إطالة وخروجا عن صلب الموضوع ، ولكن إذا بدأنا مع العامل الأول نستطيع أن نقول أن أعلام الكلية الكبار من حيث الثقل والتأثير كانوا من الكم والكيف الذى لا يقارن تماما بمستوى أداء أساتذة الكلية وطلابها ومن ثم خريجها فى كافة مواقعهم ، وهذا العامل مرتبط أيضا بالتخفف الذى اعترى الكثير من موادها ، ويحكى لنا أساتذتنا عن مقدار الحفظ المقرر من القصائد منذ ربع أو ثلث قرن فقط فنجد ألا مقارنة بين ما وصل إليه الآن ، أما العامل الثالث فهو المهيمن على السابقين فمن أول تهميش دور الكلية الرسمى ، إلى الاستمرار فى وضعها فى زيل القائمة على لائحة التنسيق ، وحتى إيداعها فى المبنى الكائنة فيه حتى الآن منذ دخولها جامعة القاهرة وهو عبارة عن مبنى معامل وورش تابعة لكلية الهندسة وغير معد للمحاضرة فيه على الإطلاق ولا يليق بتارخ الكلية إطلاقا ، ولم يدخل حتى فى التطويرات الجديدة التى طالت الكثير من مبانى الجامعة فى مئويتها !

ولبيان هذا العامل الثالث وأنه ليس عبثا من القول ، أو مجرد حملا على نظرية المؤامرة ، أعتقد أن هناك نظرة ساذجة تتعامل معها المؤسسة الرسمية للدولة مع كلية دار العلوم بنفس المنطق الذى تعاملت معه مؤخرا مع حركة حماس فى الخارج ، حيث تعتبر الدولة أى ارتباط فى الجذور بين أى جهة أو مكان مع جماعة الإخوان المسلمين – وهى كبرى الحركات الإسلامية فى العالم - يعد تعضيضا لهم ، وأن إضعاف هذه الجهات هو إضعاف للجماعة أو لمحاضنها ، وبذلك تعاملت فى الخارج مع حماس لأنها فى الأصل فرع للإخوان المسلمين ، ومع دار العلوم لمجرد أنها خرجت أهم رجلين فى تاريخ الجماعة على الإطلاق وهما المؤسس الإمام الشهيد حسن البنا ، والمفكر الشهيد سيد قطب ، فكأنها لا تريد المزيد من إخوان هذا الطراز .


ثالثا : ترتيب المعطيات وتوظيفها :

قد يرى الكثير أن هذه المعطيات غير متناسقة ولا تصلح لأن تنتظم فى تجربة واحدة تصلح نتائجها لشىء من التعميم على العمل النهضوى ، لكن المدقق يرى أنها جمعت أقطابا لا سبيل لجمعها فى مكان آخر ، وأن كل العناصر التى تحدثنا عنها آنفا ما هى إلا رموزا لهذه المرحلة الزمنية التى تعيشها الحركة الإسلامية مع الوضع السياسى والاجتماعى الراهن ، مع هذا الجيل التالى لجيل الصحوة والمفترض أن يكون طليعة لأجيال النهضة الإسلامية .

أيضا


رابعا : مرحلة الفروض وتجريبها :

ستدخل هذه المرحلة فى التفاصيل الشخصية التى خضتها بنفسى ، ولكنها تعتبر شخصية غير ذاتية ، إنما هى موضوعية لأقصى درجة ، أو هكذا أريدها وأقصد من وراء عرضها .




1- مرحلة كشف المسرح

2- جماعة الصحافة

3- برلمان شباب الجامعة

4- حزب العمل

5- مجلة المنبر

6- جماعة الإلقاء

7- حركة جامعتنا

8- أسرة فرسان النور



1- مرحلة كشف المسرح :


عند دخولى للكلية وفى عامى الأول ، كانت أمامى عشرات الطرق التى من الممكن أن أسلكها لتحقيق مآربى فى الكلية ، وكان لابد من أن أعطى لنفسى فترة أحدد من هذه الطرق طريقين أو ثلاثة أركز عليهم لأكتشف الأقوى منهم ، وأعتمده سبيلا لى بعد ذلك ، ولذلك كانت هذه الفترة هى السنة الدراسية الأولى كاملة حيث تم التعامل مع أربعة سبل ، استطعت أن أتخذ فى أول سبيلين منهما موقفا واضحا ثابتا على مدار الأربع سنوات ، وقررت أن أخوض فى السبيلين الآخرين وغيرها بعد ذلك :

أ . الإخوان المسلمين :

لا يمكننا أن نتثبت من انتماء فرد لجماعة الإخوان المسلمين إلا بعد أن ينهى المرحلة الثانوية ، فالجامعة هى المحك الرئيسى الذى يثبت للشخص أنه من الصف الإخوانى أو خارجه ، ولذلك فإن الجماعة تعتمد دائما على معسكر انتقالى يشارك فيه شباب ثانوى ليتم بعد ذلك تسليمهم ، أو تخريجهم إلى الجامعة ، وبذلك يضاف إلى الشاب بجانب الدعوة فى المنطقة ( المكان الذى يسكن فيه العضو ) ، الدعوة فى الكلية ، ويكون له مسئولين مسئول المنطقة ، ومسئول الجامعة ، وشغل الجامعة فى هذه المرحلة يصبح أهم وأولى من شغل المنطقة .

وبالفعل اشتكرت فى المعسكر الانتقالى بين المرحلتين الثانوية والجامعية ، وقد جاء ذلك تتويجا لنشاطى مع الإخوان خلال فترة الثانوى ، وكان معسكرا رائعا للغاية ، وتعد أيامه الأربعة من أعلى القيم التى حصلت عليها من الإخوان حتى الآن ، ومعظم من كانوا معى فى المعسكر ( العريش 2004 ) أصبحوا الآن مسئولين فى كلياتهم المختلفة حتى أننى قابلت أحدهم بعد أربع سنوات واكتشفت أنه أصبح مسئولا للإخوة فى الجامعة الأمريكية .

لكننى لم أسر على نفس النهج ، فمن أول يوم رأيت فيه الإخوان فى الجامعة ، أعملت نظرتى الناقدة ، فوجدت أن أدائهم ضعيف وتقليدى للغاية ، ومساحة تأثيره أضعف ، فمفردات النشاط تتكون من اللوحات الورقية المكتوبة بخط اليد أو المطبوعة ، المزيلة بالتيار الإسلامى ، أو الكلمات فى المدرجات التى تشبه الإذاعة المدرسية تماما بتمام حيث تبدأ بالقرآن ثم حديث النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم تختم بالأنشودة ، أو المعارض والمهرجانات التى تتضمنها الحملة السنوية ، هذا بالإضافة إلى حركة الرد الفعلى الثابتة سنويا ، وهى الدعاية الانتخابية ، ثم الاعتراض على الشطب من قوائم الترشيح ، فالاعتراض على منع أسرهم من النشاط ، وأخيرا الاعتراض على المجالس التأديبية الثابتة ، والوسائل محفوظة ومكرورة : مظاهرة ، اعتصام ( لا يتعدى يوم دراسى على الحد الأقصى ) ، مفاوضات مع العمداء ورئيس الجامعة ، إضافة إلى استخدام نفس الأساليب فى التعامل مع القضايا العامة على مستوى القطر المصرى أو العالم العربى والإسلامى كالإصلاح السياسى أو القضية الفلسطينية .

لم تعجبنى هذه الوسائل والأساليب سواء فى الفعل أو فى رد الفعل ، وأهم ما كنت أركز عليه – فى نقدى – هو مقدار التأثير الذى تحدثه هذه الفعاليات ، سواء على مستوى الطلبة المستهدفين ، أو على مستوى الجهات التى يُعترض بين يديها على هذه الممارسات ، فقررت ألا أنضم للعمل الإخوانى فى الجامعة ، بشكل رسمى ، وأحدث هذا القرار شيئا من الصدمة عند من هم فوقى فور اكتشافهم ذلك فى أول معسكر بعد دخولنا الجامعة ( الإسماعيلية – أول إجازة نصف عام فى الجامعة ) ، ولكننى حاولت أن أسرد وجة نظرى وأننى مستعد ومقتنع بالعمل فى المنطقة ، بعيدا عن الانخراط فى الجامعة ، وكان من ضمن الأسباب التى أحدثت شيئا من الاقتناع عندهم هو التفوق فى الكلية ، وطموحى إلى الانضمام لهيئة التدريس .

وقد ظلت علاقتى بإخوان الكلية ومسئوليها على درجة كبيرة من المتابعة ، فلم يكن هناك أى فعالية جماعية ( مظاهرات / مؤتمرات / مهرجانات .. إلخ ) ، إلا كنت موجودا فيها خاصة بعد أن انضممت للصحافة بداية من الفرقة الثانية فى الكلية .

والخلاصة أننى لم أكن بمنئى عن كبرى الحركات الطلابية العاملة فى الجامعة ( الإخوان المسلمين ) ، وكنت محسوبا فى البداية عليها ، أو بمعى آخر كانت مسارا طبعيا لى ، إلا أننى لم أقتنع بأدائها فى الجامعة وأخذت أبحث عن سبيل آخر لمزيد من التأثير فى العمل الجامعى .

ب . اتحاد الطلبة :

كشخصية قيادية تستثيرنى الاتحادات الطلابية ( خاصة أننى فى آخر كل مرحلة دراسية أصبح رئيسا للاتحاد العام كما كنت فى الصف الثالث الإعدادى والصف الثالث الثانوى ) ، ويصبح لقب رئيس اتحاد الكلية أو الجامعة من الألقاب التى أرنوا إليها كمبدأ عام ، لكن الوضع فى الجامعة جد مختلف عن الوضع فى المراحل السابقة ، فاتحاد الطلبة فى الكلية هم مجموعة يتم انتقائهم من شريحة معينة من الطلبة المرغوب فيهم ، ويتم استخدامهم فى أطر محددة معينة ، وأول ما لفت انتباهى فى الأمر وجعلنى أنفر من هذه الفكرة هو الناتج الذى يخرج من هذه الاتحادات ومنها مثلا اللافتات الإرشادية ، واللوحات الورقية التى توزع فى كل مكان منافسة للافتات الإخوان ، والشاهد أن لافتة منها لا تعلق إلا وعليها ختم رعاية الشباب وأيضا إمضاء مدير رعاية الشباب شخصيا ، وهذه مهزلة ما بعدها مهزلة ، فكيف يتم انتخاب هؤلاء الطلبة ، وبعد أن يتأكدون من ولائهم ويتحرون الدقة عنهم ، ويتم غربلتهم ، وبعد كل هذا ، يسحبون تلك الثقة – التى أعطاها بقية الطلاب لهم – مع أول جرة قلم على لوحة من اللوحات ، لأن معنى هذا التوقيع أن هذه اللوحة لم تكن لتعلق – حتى لو كانت بإرادة الاتحاد – إلا بموافقة مدير رعاية الشباب ، والذى هو علاوة على كونه موظف فى الكلية ، تابع تبعية شديدة لمكتب قائد حرس الكلية ، وبالتالى فهى دائرة مغلقة ليس فيها أى قيمة ، ومسرحية زائفة لا يقبل أن يصعد على مسرحها إلا الأراجوزات فقط ، ومن يكتشف أنه ممثل أو لاعب حقيقى يتم إنزاله من على المسرح فورا .

الأمر الآخر الذى أثبت لى أن الاتحاد ليس فقط " أراجوزات " ليس لها حول ولا قوة ، بل وأن محركى هذه الأراجوزات هم رجال الأمن ، هو الهجوم الشديد الممنهج والنظم على طلاب الإخوان المسلمين فى الكلية ، من بيانات وكلمات فى المدرج ولافتات ، وأفكار لا تخرج من رأس " أراجوز " مسكين ، وإنما من رأس صاحب خشبة المسرح ، ولكل هذه الاعتبارات قررت ألا أشارك فى هذه المهزلة أبدا ، وأيضا أن أدعو أصدقائى وأصحابى وكل من يطلب رأيى أن يقاطعوا هذه الانتخابات تماما ، وكان هذا الأمر هو بداية معرفة الأمن بى بعد ذلك .

ج . الجماعات الثقافية :

هى جماعات شبه مستقلة عن الاتحادات ، فهى فى الأصل تتبع اللجنة الثقافية باتحاد الطلبة ، لكن يشرف عليها معيد فى الكلية ، ومقررها ينتخب من أعضاء الجماعة بعيدا عن انتخابات الاتحاد وبغض النظر أكان الطالب عضوا فى الاتحاد أم لا ، وأول ما لفت انتباهى من هذه الجماعات هى جماعة الصحافة ، ثم جماعة الخطابة والإلقاء ، ولكل من هذه الجماعات تجربة خاصة تختلف باختلاف مشرفيها ونشاطاتها كما سيأتى .

د . الأحزاب السياسية :

" أخلع عبائتى الحزبية على أسوار الجامعة " هذه الجملة سمعناها من أحد أعضاء هيئة التدريس والعضو البارز فى لجنة السياسات فى الحزب الوطنى الدكتور / جابر نصار ، والواقع أن العمل الحزبى فى الجامعة ضعيف للغاية ، والأحزاب الفاعلة فيه هى : حزب العمل ، وحزب الاشتراكيين الثوريين ، وحزب الكرامة ، وبدايات نشاط حزب الغد ، وهذه الأحزاب إما مجمدة كالعمل أو تحت التأسيس كالكرامة ( وهناك أيضا كيان شبيه وهو اتحاد أندية الفكر الناصرى ) والاشتراكيين الثوريين ، والغد هو الوحيد الشرعى وبدأ ظهور ذراعه الجامعى فى 2006 ليس قبل ذلك، وبالطبع فإن الحزب الوحيد الذى قد أخوض معه التجربة الحزبية السياسية هو حزب العمل ذو التوجهات الإسلامية .



يتبع

31‏/10‏/2009

جدى قصاصا .. تحقيق للذئب المزيف

أنا وجدى
دائما كنت أسمع من والدتى عن جدى الذى فقد ثلث حياته ونصف بصره فى سجون عبد الناصر ، وطالما سمعت من جدتى كلمة "الإخوان" تخرج من فيها غير مرتجفة ولا متوجسة ، تخرج منها كأنها تتحدث عن شمس الأصيل ، أو سعف النخيل ، وعندما كنت أذهب لجامع الشراقى فى تلك القرية البعيدة على أطراف الشرقية التى تدعى "حوض ناجيح" يعترينى الفضول لاكتشاف كل هذه الغرف والقاعات التى بذلك المسجد الضخم ، واحدة منها كنت أحضر فيها كتابا فى أيام الإجازات المتقطعة ، والأخريات يحكى عنها حكايات وحكايات ، ورغم كل ذلك كنت عندما أنظر لصورته أو أتذكر المواقف القليلة التى جمعتنى به فى حياته أحسه رجلا طيبا هادئا وقورا لا يبدو عليه أن حياته زخرت بكل هذا .

حتى جاء اليوم الذى أطلعتنى فيه إحدى حفيداته على مخطوطة له ، مكتوب عليها "الذئب المزيف" قالت إنها قصة لجدك ، رأيت أنك أولى بالاحتفاظ بها ، فليس منا من يقدر هذا الأدب ، يمكنك أن تفعل بها ماشئت .

أمسكت بالمخطوطة وأخذت أقرأ حتى أتيت عليها ، ثم أخذنى العجب والدهشة كل مأخذ ، أحسست أننى أمام قصاص ماهر ، يكتب بلغة سلسلة رائقة ، يسلسل الأحداث تسلسلا ، يفتق الأفكار ويضع المعضلات ويركب القصة تركيبا لم أعهده فى قراءاتى لكبار القصاصين فى العالم العربى ، صدمت عندما وجدتها بلا تاريخ ، ظللت أسابيع أنقب وأسأل كل من يعرف جدى عن قرب أو عن بعد ، وجدتهم سمعوا عن تلك القصة ، بعضهم قرأها وبعضهم لم يقرأها ، لكنهم لم يتفقوا على تحديد وقت كتباتها ، وإن كانت الغالبية ترى أنه كتبها فى الثلاثينيات من عمره أى فى الخمسينيات من القرن الماضى ، وهو وقت مبكر جدا كانت القصة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى ،والبعض أرجع وقت كتابتها إلى فترة العشرينيات خاصة أنه كان يعمل وقتها فى معسكرات الإنجليز ، وقرأ أكثر من شخص فى مكتبته بعض الروايات والقصص الإنجليزية غير مترجمة حيث كان يتقن الإنجليزية .

أستكملت خطوات تحقيق المخطوطة من بحث عن النسخ أخرى لها ، ومطابقة خطها بخط المؤلف ، وتحرير النص المكتوب واستدراك التصحيفات والتحريفات القليلة فيه ، وعزمت على نشره – إلكترونيا أولا – بمقدمة أراها مهمة لمناقشة ثلاث قضايا
1- علاقة الحركة الإسلامية بالأدب ومسيرته المصرية خاصة ( المؤلف نموذجا) .
2- القصة البوليسية المصرية ( الذئب المزيف نموذجا ) .
3- ثقافة التحقيق ( تجربتى نموذجا ) .

***

1- المؤلف :

أحمد محمد على الشراقى ولد فى قرية "حوض ناجيح" التابعة لمركز ههيا من مراكز الشرقية عام 1917 ، والده كان من كبار الفلاحين لكنه كان حالة وسط بين طبقة ملاك الأراضى ( الأرستقراطيين ) ، وطبقة الفلاحين العاملين بالأجرة فى تلك الأراضى ، وكان أيضا حلقة الوصل بين السلطة المعتمدة من الحكومة ( العمدة ) وبين بقية المحكومين ، فبيته يعد ثانى أكبر بيت فى البلد بعد بيت العمدة وإن كان له اليد الطولى فى الفصل بين المنازعات و مجالس الصلح ، وعندما بدأت دعوة الإخوان فى الانشار فى ربوع مصر وخاصة فى قرى الدلتا والصعيد دخلت دعوة الإخوان قرية حوض ناجيح عن طريق الشراقى الكبير ، وقد شب أولاده فى خدمة هذه الدعوة ، واشتهر أمر القرية خاصة بعد إعلان الإخوان المسلمين مشاركتهم فى حرب 48 حيث كون شباب القرية أول طليعة كبرى فى الشرقية ، وأقاموا معسكرا كبيرا عند التل الكبير وكان يتولى مهمة تدريبهم ابنه الأكبر "سيد شراقى" فى معسكر التل الكبير حيث اغتيل على يد عناصر من الحكومة المصرية ، وترجمته وقصة استشهاده افتتح بها الأستاذ حسن دوح كتابه شهداء على الطريق (دار الاعتصام) .

أتم أحمد الشراقى حفظ القرآن فى كتاب القرية فى سن صغيرة ، حازعلى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية عام 1928 ، ثم شهادة الدراسة الثانوية عام 1931 ، عمل لمدة عام أو عامين فى معسكرات الإنجليز ومكنته هذه الفترة من إجادة اللغة الإنجلزية ، عين بعد ذلك فى معهد التربية العلمية بالزقازيق ، تزوج وأنجب ثلاثة من الأبناء ، وثلاث من البنات .

تم اعتقاله فى 10 / 1954 هو وعدد غفير من أبناء قرية حوض ناجيح ، ولم يتم الإفراج عنه إلا فى مايو 1963 ، أعيد اعتقاله مرة ثانية فى 9 / 1956 وأفرج عنه عام 1967 ، تعرض الشراقى كزملائه إلى عمليات تعذيب بشعه داخل السجون الناصرية أفقدته إحدى عينه اليسرى والكثير من الأمراض المزمنة التى صاحبته فيم تبقى من حياته ، عين بعد خروجه من السجن مديرا لمدرسة "حوض ناجيح الابتدائية" إلى أن أحيل للمعاش ، انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 1992 .

وإذا نظرنا إلى هذه الفترة التى عاشها أحمد الشراقى طليقا قبل الاعتقال أو بعده ، أقصد الفترة التى من الممكن أن تكتب القصة خلالها أوحتى فترة الاعتقال نفسها على افتراض أن الكثير من المعتقلين السياسيين ينتجون أدبا وفكرا راقيا داخل السجون ، لو نظرنا إليها بالمقارنة مع حركة رجالات مصر الأدبية لوجدنا أن هناك تداخلا زمنيا واضحا ، وبالرغم من ذلك فهناك جهلا أو تهميشا فادحا لهذه الإسهامات من أبناء الحركة الإسلامية ، وليس هذا الجهل أو التجاهل مقتصر على أعداء الحركة الإسلامية أو مؤرخو الأدب المعتمدين مثلا فى النظام الناصرى ، بل إنه يمتد لأبناء الحركة نفسها بدليل عدم معرفة أى شخص بأمثال هذه الكتابات ، وعدم محاولة تجميعها ودمجها فى المسيرة الثقافية ، لأننى أتوقع مثلا أن تكون هذه الأعمال (الأكثر شهرة من هذه) مجمعة لدى الإخوان مثلا فى إصدارات ، ورغم أننى لم أقع على شىء مثل هذا ، لكنه لا يعنينى أيضا ، ما يعنينى هو أن يدرس أحمد الشراقى وأقرانه إلى جانب محمد تيمور وميخائيل نعيمة ويوسف إدريس .

وليس هذا متعلقا بالقصة فقط ، ولا بالأدب فقط ، بل بكل جوانب الحياة التى تعتبرها الحركات الإسلامية رصيدا لها دون سواها ، كمن يصنف مثلا تاريخ وإنجازات عمر بن عبد العزيز إلى التاريخ الأموى والدولة الأموية ، والرجل تجاوز كل هذه الأطر للخروج إلى إطار الأمة جمعاء ، بل إلى إطار الإنسانية الرحيب .

هذا ما أقصده من إدماج دراسة هؤلاء ضمن الحالة المصرية والعربية العامة وقتها ، إذا أن الافتراض يظل قائما بأن هذه القصة ليس الأخيرة لأحمد شراقى فضلا عن أن تكون الأولى ، وحتى لو تم افتراض أنها قصة واحدة لا يستحق الرجل أن يدرس من أجلها ، فالبيئة والعوامل التى أنتجت فيها هذه القصة تحتاج إلى الكثير من الدراسة ، وهذا أهم فى نظرى إذ أن دراسة هذه الحالة هى دراسة للمجتمع وفى القلب منه أيضا الحركة الإسلامية ، فدعوة الإخوان عندما يتم دراسة آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فى قرية صغيرة مثل "حوض نجيح" سيحدث ذلك أثرا بالغ الأهمية وبعيد المعنى فى خروج ظاهرة "الإخوان" خارج القمقم أو الخندق الذى تضع نفسها فيه ، إنها حركة تجذرت وتأصلت فى المجتمع المصرى والإسلامى ، ولا يحق لأحد – ولو كانوا ورثتها التنظيميون – أن يضيعوا ذلك التراث أو أن يفصلوه عن التاريخ ، فالحركات التى فصلت نفسها عن التاريخ ، وبوتقت نفسها لم تستمر ولم ينظر إليها أصلا على مر القرون بعد ذلك ، وإن كان تأثيرها بالفعل موجود وواضح .

جيل أحمد الشراقى

وأرجو أن يكون صدى دعوتى هذه محمودا لدى الباحثين والدارسين من أبناء الحركة الإسلامية ، فالأمر يستحق الكثير ، وتاريخنا الحديث – فى نظرى – لم يكتب بعد ، فلننتهز الفرصة قبل فوات الأوان .

2- القصة ( الذئب المزيف) :

بدايات نشأة القصة العربية عموما تعود إلى الربع الأول من القرن العشرين ، وقد كانت عبارة عن محاولات ، لم تكتمل ، ولم تحظ بالنجاح المطلوب ، ومن الصعب فعلاً تحديد بداية ظهور القصة تحديداً دقيقا ، فقد يكون هنالك محاولات لكتاب مجهولين ، طواهم النسيان ولم يتمكن الباحثون من رصد أعمالهم ، ولم ينقل لنا إلا تلك المحاولات التى حظيت بنصيب أكبر من الشهرة .

ويذكر الباحثون في هذا المجال ، أن أول قصة عربية راعت الأصول القصصية ، بقواعدها المعروفة ، وإن كان يعيبها السطحية وتزاحم الشخصيات ، دون أن تعطي بعض الشخصيات الإضاءة الكافية والبعد النفسي المطلوب لتفسير ردود أفعالها هى قصة "في القطار" للكاتب المصري محمد تيمور ، والتي نشرت في مجلة "السفور" سنة 1917 ،بينما هناك آراء أخرى تقول بأن أول من كتب قصة قصيرة عربية ظهرت في العصر الحديث هو اللبنانى ميخائيل نعيمة، حين كتب قصة "العاقر" ، وقصة "سنتها الجديدة" التي نشرت في بيروت عام 1914 .

لكن النقاد يتفقون على أن الشكل الفعلى للقصة القصيرة اتخذ خطوات واسعة على يد يوسف إدريس الذى أصدر أول مجموعة قصصية له "أرخص ليالى" عام 1954 ، وتأتى قصة الشراقى فى عصر بين العصرين ، بين البدايات فى العشرينيات وبين الذروة فى الستينات ، ولكننا نلحظ اكتمالا فى العناصر وروعة فى الأداء يرقى بها إلى الستينات وما بعدها ، لأنها أيضا تختص بفرع معين فى جنس القصة القصيرة وهو ما عرف باسم "القصص البوليسية" .

والقصص "البوليسية" أتت بالطبع مع كافة أنواع جنسها الغربية ، وإذا كانت القصص الواقعية الاجتماعية أو الرومانسية قد أخذت طابعا مصريا خالصا فى كثير من فتراتها ، فإن القصة "البوليسية" لم تستطع أن تفلت من إسار الغرب حتى إلى وقتنا الحالى فى المجموعات القصصية الشهيرة لنبيل فاروق "رجل المستحيل" ، اللهم إلا بعض ما كتب عن حرب أكتوبر وحرب الاستنزاف وإنجازات المخابارت المصرية ضد الإسرائيلية .

لكن الجديد الذى نطالعه هنا فى "الذئب المزيف" أنها تعد قصة "بوليسية بامتياز" ولكن فى الوقت نفسه هى قصة مصرية خالصة لا تشوبها أية لوثة غربية ، بالطبع بداية من مسرح الأحداث ، ثم الشخصيات ، مرورا بالأحداث ، طريقة ارتكاب الجريمة و طريقة الكشف عنها ، وحتى الدوافع – والتى هى دوافع اجتماعية عاطفية – تتوافق تماما مع خلفيات المجتمع المصرى ، وبالطبع تنتفى عن القصة كل الشطط أو الإسفاف الذى اعترى جل أنواع العمل الدرامى المكتوب والذى أدى إلى ظهوره ممثلا على الشاشتين الصغيرة والكبيرة ، فكل تفصيلة تعد رصدا حقيقيا وأمينا لكل جزيئات المجتمع الريفى المصرى آنذاك ، ولعل هذا الدمج العالى هو ما دفع الكثير ممن سألتهم عن القصة إلى القول بأن هذه الأحداث قد وقعت بالفعل ، لكن ليس لدينا دليل مباشر على وقوع هذه الأحداث .

بيت الشراقى فى "حوض ناجيح"

نقطة أخرى وهى كيفية تعامله مع رجل البوليس نفسه ، فالقصص البوليسية إما أن تسند البطولة لشخص عادى يكتشف الجريمة ويظل يلاحق بنفسه المجرمين إلى أن يأت المشهد الأخير بالشرطة تحاصر المكان بعد أن يكون البطل أنهى مهمته ، وبالتالى فهو يضع رجال الشرطة موضع العاجز والضعيف ويفقد المجتمع الثقة فيهم ، أو أن تأت القصة برجل البوليس نفسه كبطل ، وفى هذه الحالة يصبح هو الخارق الذى يدمر كل ما يقف أمامه و تسخر له كافة الإمكانات فى سبيل القبض على حفنة من المجرمين ، فيحول كل من حوله إلى مجرمين ، هذه الثنائية الضيقة قد تخلى عنها الكاتب تماما ، وأحدث نوعا من الموازنة بين المحقق وبين البطل وحتى عموم الناس ، هذه المصالحة جعلت القصة تسير فى إطارها الطبيعى فالشر فى الأصل هو الشاذ الخافت الذى تحاصره الناس ، والناس تنتظر أيضا من يقودهم لمعرفة هذا الشر والقضاء عليه .

وتبقى نقطة أخيرة وهى كيفية تناول القيمة الدينية فى القصة ، فعلى عكس من ينادون بالأدب الإسلامى ، فإن القصة لا تتبع هذا المنهج مطلقا ، بل هى تتسع لأكبر من ذلك ، ولكنها لا تغفل هذا الجانب فتقدمه فى شخصية بطل القصة "الشيخ سالم" الرجل الذى لم يتكلم كلمة واحدة عن الدين أو الشرع طوال القصة ولكنه فى النهاية سلم رسالة قوية للقارىء فى النهاية تجعله يحترم فكر هذا الرجل وعقله والتزامه الدينى ، بل وجانبه العاطفى أيضا الذى هو أحد مكوناته .

3- تجربة التحقيق :

الصفحة الأولى من المخطوطة

بعد إتمامى لدورة متخصصة فى التحقيق على يد أكبر أساتذة تحقيق المخطوطات فى العالم العربى ، لم أكن أتوقع أننى سأجد مخطوطات تحتاج للتحقيق فى الفترة التى أهتم بها فى دراستى للماجستير فى قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم ، حيث أرى كما ذكرت سالفا أن تاريخنا الحديث لم يكتب بعد ، هذا التاريخ الذى يبدأ تحديدا من سقوط الخلافة العثمانية (1924) إلى الآن ، وأقصد هنا كتابته على وتيرة واحدة متناسقة خالية من الدس والتدليس الوطنى لكل دولة من الدول الإسلامية المنفصلة ، ولكننى بالفعل وجدت أن قصة جدى هذه تدخل ضمن المخطوطات ، وغيرها المئات والمئات ، وتحقيقها يعد أيسر بكثير من تحقيق القديم ، ولذلك أرى أن حركة تحقيق شبابية قد تثرى هذا الحقل ، وتربط الأجيال ببعضها ربطا حقيقا ، إذ أن غاية كل هذا الأمر هو أن نؤمن حق الإيمان بأننا غير منفصلين عن تاريخنا القديم (قبل الخلافة) وأن لنا أجدادا مباشرين يحق لنا أن نعتز بهم وبإنتاجهم العلمى والثقافى الذى يجب أن يخرج للعالم بأسره .

وتجربتى هذه قد سلكت طرقا بسيطة للغاية ، فقد حصلت على نسخة من المخطوطة منذ عامين ، وبحثت عن نسخ أخرى عند معارف وأصدقاء المؤلف فلم أجد ، ومعظمهم تعرف على خط المؤلف وأثبتها له ، وهى تقع فى ثلاثة وعشرين صفحة من القطع المتوسط (A4) مخطوطة بقلم حبر بخط الرقعة على ورق مسطر (فلوسكاب) ، وفى الصفحة الأخيرة من المخطوطة (والتى أصابها بعض الطمس) نجد كلمة : انتهى ، وتحتها إمضاء المؤلف .

هناك بعض العلامات القليلة فى النص المحقق ، فهذه النجمة ( * ) تدل على نهاية الصفحة فى المخطوطة الأصلية وبذلك نجدها 23 مرة فى النص ، والكلمات بين الشرطتين ( / ... / ) هى كلمات خطأ كتابيا أو صرفيا أو نحويا ، وتصحيحها فى الكلمة التالية لها بماشرة ، وليست هناك كلمة نرى أنها خطأ من الناحية السردية إلى كلمة (هذا) فى الصفحة الأخيرة من المخطوطة ، ونرى أنها أثبتت سهوا .

وهذه الأخطاء على قتلها تدل على أن القصة كتبت بداهة ، أو على الأقل لم تنقح ، لأن بعضها ظاهر جدا ، أما القوسين الفارغين فى الصفحة الثالثة فهكذا جائت فى نص المؤلف ، وهى دليل آخر على أن تجربة المؤلف لم تكن مكتملة إذ أحجم عن كتابة اسم لنقطة الشرطة التابع لها الحادث وإن أخذت كل شخصيات القصة أسماء لها ، أى أنه حاول أن يطلق القصة من القيد الصارم للزمان والمكان ، حتى ينتهى القارىء إلى أن القصة تدور فى قرية مصرية ما ، فى وقت ما فى ثلاثينيات القرن الماضى ، وهى المعلومة التى استقيناها من ثمن حلى مسروق قدر بخمسة عشر جنيها .

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

وبعد فإننى معترف بأنى مقصر غاية التقصير فى إثقال قلمى قبل كتابة مقدمة التحقيق هذه ، ولكننى أسفت أن يتم نشر المخطوطة بلا أن أطلق هذه الصيحات الثلاث التى ستجد لها أهلا خير منى على أى حال ، هذه الصيحات البحثية الثلاث هى :

- أن نبحث عن رجال الحركة الإسلامية فى الأدب وفى الحياة وندمجهم فى تاريخنا الحديث .
- أن نبحث عن نظائر لهذا النوع الأدبى من القص ، وأن يسلط الضوء عليه نقدا وتأليفا .
- أن نخلق حركة تحقيق شبابية تستطيع التعامل بسهولة مع تراثنا غير البعيد .

النص

الذئب المزيف

10‏/8‏/2009

رحم الرجال


الظلام يلف الليل ، سكون تام إلا من وقع الأقدام التى تقتادنى من حولى ، نصعد درجات ونهبط أخرى ، أوَّجه لليسار تارة ولليمين أخرى ، وقد ربطت على عينى عصابة يخال واضعوها أنها عصابة من يلقى حتفه ، وأحسبها أنا ربطة أنيقة غميت بها عينى لأفتحها على حبيبتى التى لطالما حلمت بها ، بحضنها .. بأول لقاء بيننا حين أهوى جاثيا أقبل الأرض من تحتها ، وبعد ردهة طويلة أخيرا استوقفونى وزالت العصابة من عينى لتبصرها أمامى .. ساكنة سكون الليل .. هادئة هدوء السماء .. ثائرة ثورة البركان ، ارتميت فى حضنها وانتظرت أن أسمع ذلك الصوت حتى أهوى عليها بقبلتى

ذلك الصوت الذى لا مثيل له سابقا سوى ذاك الصوت الثائر الصاخب .. صوت أول رصاصة تخرج من سلاح أحمله فور أن سمعت صيحة أصحاب أعز أرض وطأتها " الله أكبر .. الله أكبر "

ذلك الصوت الذى لا مثيل له لاحقا سوى ذاك الصوت الحانى الرائق .. صوت أول قبلة من شفتاى على يدها الرقيقة فور أن يردد الجمع من حولنا " بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما فى خير "

ذلك الصوت يكاد ينطلق الآن وقد أرهفت له سمعى ، المتراس الغليظ يتحرك ببطىء ويستمر إلى أن يحكم زمامه على الباب الحديدى ثم تنطلق زغردة المفاتيح فى الأقفال قفلا بعد آخر حتى إذا سكن الصوت ثانية وصحبته ضربات الأقدام مولية هويت من فورى على أرض الزنزانة العارية أقبلها وأسجد بين يدى المولى سجدة الشكر على أن اصطفانى إلى رحم الرجال ..


رحِم الرجــال

قريبـا على البيـــــــــــــــــارق

24‏/12‏/2008

أسلم .. لؤلؤتى فى عقدكِ الجديد


1430 - 1440 .. 22 - 32 ، الرقم الأول والثانى يعبران عن فترة زمنية من عمر هذه الأمة ، قد قدر الله فيها من الحوادث ما قدر ، ومن أنصبة الرجال منها ما قسم ، والثالث والرابع يعبران عن فترة زمنية من عمر هذا الفتى ، يستشرفها آملا أن يكون من أوفر رجال الأمة نصيبا بحوادثها .. حوادثها النهاضة الطالعة ، أن يكون درة من بين الدرر والجوهر المنظومة فى هذا العقد الجديد من عمرها ، علها تفخر به يوما من الأيام ، كما يفخر بها فى كل الأيام .

يقظة فصحوة ثم نهضة ، رؤية أراها أصبحت ضربة لازب ، فالإسلاميون اليوم يدركون - أكثر من أى وقت مضى - أن دور النهضة قد أصاب هذه الأمة ، وأن ثمر الصحوة قد أصبح يانعا ، فانطلق - من وعى منهم ذلك - إلى الدرب يحث الخطى ، ومن خاف أدلج ، من خاف ألا يكتب فى السابقين إلى النهضة ، أدلج إلى طريقها وهى لا تزال فى بكورتها ، وإن حسن البنا ذى الاثنين وعشرين عاما حين كان يضع مشروع الصحوة للأمة ، لهو عشرات من الشباب الآن يخططون وينفذون عشرات المشاريع النهضوية ؛ فبقدر ما يتم التخطيط والتأطير لهذه المشاريع من القيادات الإسلامية الشابة ، بقدر ما تـُستنفر كافة الطاقات الإسلامية لتنفيذ هذه المشروعات ، وهذا عين ما أحدثكم عنه .

فـ " أسلم " هو فكرة مشروع من هذه المشاريع ، مؤسسة علمية شبابية ، تزيل الفجوة بين الشباب اليوم ، وبين العلوم الشرعية ، وتحاول أن تعمل على شريحتين ، شريحة نوعية من الشباب يرتبطون بهذا العلم ، ويلتحمون بقضاياه ، ويكتسبون أدواته ، وشريحة كمية من الشباب أيضا يـُنقل إليهم هذا العلم بشكل ثقافى ، ولكم هالنى أن العلوم الشرعية التى لا تدرس إلا فى جامعة الأزهر ثم كلية دار العلوم بعيدة كل البعد - حتى فى لغتها وصياغتها - عن أفهام من هم خارج هاتين المؤسستين ، اللهم إلا من شباب الحركة السلفية ، والفاهمون منهم لهذا العلم قلة ، على كثرة المتلقين له .

وأول ثوب خرجت فيه الفكرة هو ثوب " نموذج مجمع البحوث الإسلامية " ، وهو ثوب يتماشى ونمط نماذج المحاكاة المتبع فى كليات الجامعة المرموقة ، لكن المشروع بالطبع لا يقف عند أطراف هذا الثوب ، بل يتعداه ويتخطاه ، وتظل الرؤية التى وضعها مؤسسو النموذج من أن نكون أهم وأفضل مؤسسة فى هذا المجال على مستوى العالم الإسلامى فى غضون ثمان سنوات - تظل هذه الرؤية هى الحاكمة للفكرة ، والدليل على أن المشروع أوسع من هذا ، لكننا نعتقد أن البداية بهذا الشكل قد تكون موفقة من ناحية ، آمنة من ناحية أخرى ، لافتة من ناحية ثالثة .

الرسالة التى يمكن أن أضعها على رأس هذا المشروع هى : الانطلاق إلى آفاق الفكر الحضارى الإسلامى من خلال جيل يتخذ من المعرفة والبحث منهجا للتفاعل والتعايش مع قضاياه ، ومن العمل فى المجتمع المدنى وسيلة لتدعيم مسيرة النهضة الإسلامية المعاصرة ؛ وأنا على وعى بكل كلمة كتبتها فى هذه الرسالة ، فالانطلاق الآن - كما قلت فى البداية - أصبح ضروريا ، وحث الخطى لا بديل عنه ، والفكر الحضارى الإسلامى الذى نتحدث عنه منذ فترة ليست بالقليلة ، تـُرى آفاقه على بعد البصر ، وآلية الوصول إليه لا تكون إلا عبر جيل يؤمن بالمعرفة والبحث العلمى كمنهج للتعامل مع كل قضاياه من الناحية الفكرية ، لا الغوغائية ، أو ثقافة العشوائيات المتبعة الآن ، وأيضا يؤمن بـ" العمل المدنى " وسيلة للتواصل مع المجتمع ، ولتطبيق مشاريعه الفكرية والنهضوية على أرض الواقع .

صحيح أن الفكرة ما زالت فى بدايتها ، وأن المشروع أمامه الكثير من الوقت كى يرى النور ، لكنى اريد أن أطلق طاقة المشروع فى الفضاء الإسلامى علها تدوى هنا أو هناك ، فتكون أبلغ وأقوى ، وقد انتهى المؤسسون إلى صياغة المشروع بالشكل الآتى :

الرسالة :
أن نخدم الفكر الاسلامي بجيل من الشباب يبحث في العلم يطبق في الواقع.

الرؤية :
أن نكون أكبر وأهم مؤسسة شبابية تهتم بقضايا الفكر الإسلامى فى جيلنا ، على مستوى القطر المصرى خلال ثلاث سنوات ، والعالمى فى ثمانية أعوام .

الأهداف :
1- توعية الشباب بالمشكلات التي يواجهها الفكر الإسلامى ، والمحكات التي يتعامل معها على كافة المستويات .
2- خلق حركة بحث علمي وتجريبي ، تجعل الطالب أكثر تفاعلا مع العلوم الإسلامية ومشكلات المجتمع في آن .
3- اتخاذ الفكر الحضاري الإسلامي وسيلة للتعليم والتثقيف والتعايش.
4- إيجاد مناخ جديد من العمل للدعوة الإسلامية على مستوى الشباب بعيدا عن الأهواء الحزبية .
5- تخريج كوادر يمكنها ريادة حركة الإصلاح والتغيير داخل المؤسسات الدينية .

قد لا ترون المشروع قريبا فى ثوبه الأول الذى اخترناه له ، ولكننا على يقين أنه سيكون واحدا من أهم المشاريع النهضوية القابلة فى هذا العقد من عمر أمتنا ، وننتظر من يشاركنا الأمل والعمل .



شارك فى هذا العمل

أنس السلطان - أريج مصطفى - أسامة حسن

30‏/9‏/2008

كل عام وأنت حبيبتى


يقوم المصلون تلو الإقامة ، يصطف المصلون خلف الإمام ، يكبر المصلون ، يركعون ويسجدون ، مرة ومرتين ، ثم يسلمون ، وتنطلق الصيحات تشق سكون الليل الآذن بالرحيل ، تنطلق الصيحات لا لتعلن عاما جديدا ، ولكن لتعلن عاما متجددا .. من حبى لها .

تعرفت عليها منذ أن كنت فى الرابعة عشر من عمرى ، كانت أول لقاءات بيننا منذ سبع سنوات ، كان الأول يحمل عنوانا "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ، والآخر " شهداء على الطريق " ، والثالث "الحلم العربى" ، وتوالت بيننا اللقاءات بعدها ، نمى حبى لها فى نفسى وعقلى ، وسما بهما ، وقررت مبكرا أن أعبر عن هذا الحب ، وأن أصارحها به ، لم تستغرب ، ولم تستنكر على صغر سنى ولا قلة زادى ، ولا ضعف بنيتى ، قالت لى : لقد نجح من هم فى مثل سنك فيما ترمى إليه ، لم يقعد بهم سنهم ولا زادهم ، إنما تقعد الهمة بالمحب وتقيمه .

ومنذ ذلك الحين وقد نصبت همتى فى حبها تلميذا ( إعداديا ) أحاضر من أجلها فى صفى الذى لا يتجاوز أربعين طالبا من سنى ، ثم طالبا ( ثانويا ) أصدح باسمها كل صباح أمام الطوابير المدرسية ، علنى أ ُشرب حبها فى نفوس زملائى كما أشربت به نفسى ، بل ويفيض صوتى إلى المدارس الأخرى ، حتى وصل كافة المدارس فى إدارة منطقتى ، واشتد بى الحب بعدما دخلت إلى الجامعة حيث كل ينصب همته ليلاه ، وأنا لم تكن لى ليلى بعدُ سواها .

وحتى بعد أن جاءت لى ليلى تدق قلبى لم أكن لآذن لها بغير موافقتها أولا ، هى التى تقبل أو ترفض ، كنت أقول للطارقة قلبى اعلمى أن لك درة ( ضرة ) إن لم تحبيها فاتركينى ولا تأملى فى حبى ، لأن حبى لك لن يرشف أريجه إلا من زهرها ، لن يقتات حياته إلا من أديمها ، لن ينير محياه إلا من شعاعها .



لم أكن أترك موطئا أو مناسبة إلا وأتحدث عنها ، ولا وقتا يمر إلا وأعمل من أجل حبها ، وصرت فى الكلية أشتهر بافتتانى بها ، وما يزيدنى ذلك إلا غبطة وسرورا ، اشتهرت قولا بـ : صمتا .. و أى جرح .. والمسلمون ، واشتهرت فعلا بـ : المنبر ، فرسان النور ، مويك ، وأخيرا أبجد .



لكن مع كل هذا كان لها يوما مميزا دائما فى حياتى ، يوما أحس بها تداخل بجسدى ، تتغلغل بروحى ، يوم أن أسمع فيه الصيحات تنطلق : الله أكبر الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .... ، أخذتُ أردد التهليل والتكبير خلف صوت أبى الرخيم من غرفته المجاورة وهو يتطيب للصلاة ، وينضم إلى صوت أخواى وأختاى ، وأمى تنادى من آخر البيت : يجب أن تأكل يا أحمد قبل أن تنزل للمصلى ، وأنا منهمك فى ربط عمامتى البيضاء ، وبعد أن أنتهى من كل مرة لا تبدو لى كما أريد ، لا تبدو لى كعمامئم الفاتحين المجاهدين ، أو الخلفاء السلاطين ، أو العلماء الربانين ، هؤلاء المحبين الأوائل ن ترى ماذا تقول عنى وأنا بهذه الهيئة ، كل ما يعزينى أنى بذلت وسعى وهذه أفضل ما وجدت ، وربطة فوق ربطة حتى ارتسمت فوق رأسى وطـُرَّ منها زيلان طويلان جعلتهما على صدرى وذؤابتيهما على كتفى ، ولما تكاملت الهيئة نزلت عينى من على موضع العمة فى المرآة إلى أن وقعت على ذلك الحزن المنطلق من مقلتين خضراوين ، و عبثا أهم بالانصراف عنها فلا ألبث إلا أن يظهر لى فى المرآة " أرودا " يقف خلفى ويربت على كتفى ، فألتفت وأرتمى فى حضنه لدقائق قبل أن يختفى ثانية قائلا : سأكون هناك دعك منى ومنه ولا تتأخر عنها ، ولكنى لم أستسلم تماما لكلماته ، حملت الهاتف من على المكتب ، وقمت بالاتصال ، وإذا بهذا الصوت المزعج الذى ما زلت أسمعه منذ أسبوع ينطلق فى أذنى : الهاتف الذى طلبته ربما يكون مغلقا .. محَرَّقا .. ميتا ، أو غير مرتاح حاليا ، يرجى عدم إعادة المحاولة مرة أخرى ، وفى كل مرة يُرجى منى ذلك لا أكف أيضا عن المحاولة ، إذن فلن تشهد عرسى اليوم ، سيحضر أرود نعم ، ولكن أيضا سيحضر بلا سيدة له ، مرة أخرى هى ليست معى فى هذا اليوم .

أحسست فجأة بخلو البيت كلهم قد نزلوا ، ارتبكت للحظات ، هل تأخرت ، هل سيشعر الناس ، يجب ألا أنسى شيئا مررت سريعا على الخطبة ، تناولت تمرات قليلة ، وأتبعتها بشربة ماء خفيفة ، وهرولت إلى الدرج أعبر العشرين بسطة ، وأقفز عند الخطوة الحادية والعشرين ، أتذكر ذلك الطريق الذى أسير فيه للمرة الثانية بهذه الهيئة ، قد مر عام على يوم عيد حبنا الأول ، يوم أن وقفت فى هؤلاء المئات من البشر رجالا ونساء وأطفالا ، شيبا وشبانا ، أحدثهم عنها عن المعانى التى قرنها الله بها ، عن معنى العزة ، وكيف أن الله تعالى يحيه فينا عاما بعد عام ، ويجدده لنا بها عيدا بعد عيد ، أحاول فقط أن أتذكر القليل من خطبة العيد الماضى كى أنطلق منه إلى خطبة هذا العيد ، يعاجلنى الناس باستقبالى وبالتهانى ، أحاول أن أركز فيما أنا فيه ، يُقذف - فجأة - المكبر إلىَّ ، هيا كبر تكبيرة أو اثنين ، وابدأ الصلاة .. أقف للحظة .. تشرئب الأعناق إلى .. تخفت الأصوات بانتظار صوت تكبيرتى ، لحظة ركود تامة للكون ، هُيأ لى فيها أن الشمس توقفت خلفى للحظات هى الأخرى ، وأرود قابع على رأس مئذنة المسجد يستنطقنى ويقول لا تنتظر .. أنطلقُ : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله .. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

الله أكبر فاضت من حناجرنا لتملأ الأرض من عبق الرياحين
الله أكبر كم ذلت لها عنق كانت تزل لها أعناق الملايين
الله أكبر نفديها بأنفسنا حتى تهيمن في كل الميادين
الله أكبر رددها فإن لها وقع الصواعق في أذن الشياطين

" أيها الناس ها قد فها هو العيد آتانا فى الموعد الذى لا يخلفه كل عام ، ها هو المولى عز وجل يبعثه لنا لنتفيأ من ظلال معانيه ، ونترنم من أهازيج مراميه ، وكنا قد استشرفنا فى العام الماضى قيمة الأمة التى يود الله سبحانه وتعالى أن يشعرنا بها من خلال العيد ، وأول معانى هذه القيمة ، وأوضح ألوانها أنها تتمتع بالعزة ، ذلك المعنى الذى لم يتركه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولا الصحابة والتابعون من بعده فى أى موقف كموقفنا هذا ، فى موقف تتجمع فيه الأمة إلا وأكدوا عليه ، إنها العزة تلك النعمة التى نستشعرها العام وكل عام ، ولكن معانى الأمة لا تنقضى ، والعيد يمدنا بها معنى بعد آخر ، ولنعد التأمل فى شعائره السامية ، لنعد التأمل فى سنة رسول الله بالصلاة فى مثل هذا الخلاء ، لم نأمر بالصلاة فى الخلاء إلا فى العيد فقط ، نترك المسجد الذى هو البناء الأول للمسلمين الذى هو بيت الله ، أشرف البقاء وأطهر البقاع ، ونتوجه إلى الخلاء ، إلى حيث لا سقف يحد طموح الجماعة المسلمة ، إلى حيث لا جدران تفصل بينهم ، إلى حيث لا أعمدة تحجب الرؤية عن إمام أو مصل ، نخرج جميعا للخلاء ، يخرج المجتمع بأكمله لأداء هذه العبادة الفريدة ، فصلاة العيد فى المقام الأول هى عبادة ، ولكنها من العبادات الفريدة بل لعلها الوحيدة التى انتدبت إليها الأمة جميعا ، فالأطفال قد تسقط عنهم الصلاة والصيام ، وبعض النساء قد تسقط عنهن عبادتهن ، والشيوخ والضعفى قد يعفون من الجهاد فى سبيل الله ، لكن صلاة العيد يندب للخروج إليها الرجل والمرأة ، والشيخ والرضيع ، والحائض والنفساء ، المجتمع كله يخرج ويشارك ، ليكون رمزا للعام كله ، رمزا على ماذا ، رمز على أن هذه الأمة هى مجتمع متكامل يعمل يدا واحدة لإقامة شرع الله فى أرض الله ، ولا يمر علينا أدب من آداب هذا اليوم إلا ويؤكد على هذه الرمزية ، حتى حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حيث قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ ، أى ذهب من طريق وعاد من آخر ، وتخيلوا معى إذا كانت الأمة كلها مأمورة بالخروج إلى هذا اليوم فإن الرجل سيخرج من بيته مع زوجه وأولاده يكبرون ويهللون فى الطريق ويعودون من طريق آخر ، لمروا على أكبر قدر من أفراد أمتهم .

إذن لنراجع حساباتنا ونرى أين نحن من المجتمع المسلم ، أين المسلمين اليوم من المجتمع المسلم ، إن الناظر إلى شرائح المجتمع التى تحدثنا عنها : الرجال .. النساء الأطفال .. الشباب .. الشيوخ ، يجد أن متى اجتمعت هذه العناصر وعملت سويا ، متى كان المجتمع ناضجا ، والأمة ناهضة ، ولنستشرف خطى أول مجتمع إسلامى ، وهو مجتمع المدينة المنورة ، ولننظر فقط إلى أول خطوة فى بناء هذا المجتمع وهى خطوة الهجرة كيف أن جميع شرائح المجتمع قد شاركت فيها ، فلم يخرج الرجال دون النساء ، ولم يخرج الشباب دون الأطفال والشيوخ ، وإنما خرج المجتمع بأكمله ليكون هناك فى المدينة مجتمعا كاملا تتعاون جميع فئاته على إقامة شرع الله عز وجل ، حتى سجلت لنا كتب السير والتاريخ عن هذا المجتمع أبهى الصور وأزهاها ، آلاف من الصحابة ومن بعدهم التابعين ، مئات من سير النساء والصحابيات ندهش عندما نقرأها ، وعشرات من الأطفال ، والشباب ، وحتى الشيوخ ، وليس بخاف عنا كم النماذج الكثيرة التى يمكن أن ندلل عليها فى كل شريحة .

وإلى جانب تلك الشرائح توجد الروابط ، وإن كنا قد عددنا الشرائح خمسا ، فإننا لا يسعنا أن نعد الروابط لأنها كثيرة كثيرة ، ولكن يرضينا أن نقطف من بستان هذه الروابط زهرة واحدة أهديكم إياها فى هذا العيد ، زهرة ارتضى الله سبحانه وتعالى عندما من علينا بالأمة أن يذكرنا بها عندما قال : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " أول رابط أقامه الله لكى يتم التماسك بين شرائح هذه المجتمع بعد أن كانوا أعداء هو رابط الحب ، هو رابط الألفة ، وأيضا هذا الرابط هو الذى استأثرنا به النبى صلى الله عليه وسلم نحن خصيصا ، عندما كان يجلس مع أصحابه ذات يوم ، وإذا به يشتاق لنا ، فبماذا ينعتنا وينادى علينا ، يقول لأصحابه اشتقت لأحبابى ، قالوا يا رسول الله أولسنا أحبابك ، قال : أنتم أصحابى ، أحبابى هم قوم آمنوا بى ولم يرونى ، وبرغم هذا الحب من النبى لهذه الأمة ، فإنه كان يعلم الحب الحقيقى الحب الأول الذى تبنى به المجتمعات ، أولم تنظروا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عندما سأل النبى صلى الله عليه وسلم ، من أحب الناس إليك ، ماذا قال ؟ ، وماذا يقول لو سألها هذه الأيام عالم من العلماء ، على أقصى تقدير لو أراد التأسى ، سيقول زوجتى ، وهيهات ، لكن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) صدح بها عالية ، عائشة ، ألم تسأل نفسك آخر مرة قدمت فيها وردة لزوجتك منذ متى ؟ ، وآخر مرة رأيت فيها تلك الوردة تقدم فى عمل درامى أو على الكورنيش أو فى أو موطن غير موطنها ، فأى الفريقين أحق بالحب ، وبإظهار شعائر الحب !

وقد يظن ظان أن هذا المجتمع هو مجتمع صنع على عين الله ، وعلى يد رسوله فأنى لنا أن نبنى مثل ما بنوا ، ولكن يقدر الله بعد أكثر من قرن أن يقوم على أرضه مجتمعا إسلاميا أيضا بعيدا عنه فى الزمان والمكان والظروف ، إنه مجتمع الأندلس ، الأندلس تلك الجنة التى دخلها المسلمون فاتحين وفرق شاسع بين دخولهم غازين ودخولهم فاتحين ، كى تتحول إلى جنة تشع علما وفنا وحضارة وحبا ، ويأت من يقل لى لا نريد مجتمعا قريب منا أكثر ، أقول لكم لن نتوغل فى الزمان ولن نبعد فى المكان سوى بعض الكيلومترات ، سننطلق إلى غزة ..

غزة ، وما أدراك ما غزة .. غزة .. ليست مجرد مساحة من الأرض لا تبلغ نسبتها سوى 1% من مساحة فلسطين التاريخية .. ليست مجرد 44 تجمع سكاني يقطنهم مليون ونصف نسمة من السكان .. خضراء .. غزة تمثل مجتمعا إسلاميا بمعنى الكلمة ينعم بالاستقرار ، هذا الاستقرار الاجتماعي يتمثل في شيء واحد ، وهو عدم احتكار فئة من المجتمع توجيه وبناء وقيادة المجتمع دونا عن الفئات الأخرى ، ففي غزة يقف الرجال في صف واحد مع النساء والأطفال والشباب .. في غزة يشارك الأطفال مشاركة حقيقية في بناء المجتمع ، وترى روح عبد الله بن الزبير الصغير ، والمعاذين تسري في أطفالها .. في غزة لا يتم الشاب فيها عشرين عاما إلا وهو متزوج وله عمل ، وله سلاح يرابط به في وجه أعدائه ، فضلا عن كونه طالبا أو مدرسا ، فالعلم عندهم ليس مرحلة انفصالية يتخم الشاب بها فترة في حياته ، ثم يلفظها دفعة واحدة بعد أول قرش يوضع في جيبه ، أو خاتم في يده .. النساء أيضا تشارك هناك في كل شيء حتى في صناعة السلاح القسامى .

ولذا ينعكس ذلك على البيت الغزاوى ، وعلى الشارع أيضا ، فلا تكاد ترى - في الشارع - امرأة بدون رجل ، ولا رجل بدون امرأة ( وهذا أيضا بسبب تعاملهم المنطقى مع موضوع تعدد الزوجات ) ، ولا أطفال متسولون ، ولا معاكسات في الطريق .. إلخ ، ولن أستطيع أن أحصى فعلا كم الراحة النفسية التي يجدها الإنسان بين دفء هذا المجتمع الذي يعيش شتى ألوان القهر
" .

أيها المسلمون .. أيها المؤمنون .. هذه هى حبيبتى التى أنثر اليوم بينكم حبى لها ، فكل عام وأنتم بعزة ، وكل عام وهى حبيبتى



أمتـى

كل عام وأنت حبيبتى