13‏/6‏/2008

الحادى .. والعشريــن


نسيمات صبح عليل تتلمس بصعوبة مسارات لها فى الغرفة الحارة ، تجول وتجول ثم تحط على قسمات وجهه الغائم نصفه فى طيات وسادة مكتنزة ، حملته رقتها المداعبة على أن يراوغ بأنفه المندس فى الوسادة قليلا ، ويترك حرارة دفئها إلى تلك النسمات المتوافدة ، قبل أن يقرر بفتح عينيه فما زال النوم لذيذا ، وما زالت أيديهم تصفق فى أذنيه طوال الليل ، لا يكاد ينقطع صوتها ، بل يزداد ويخبو ، وكلما أوشكوا على الانتهاء ابتدء آخرون ، وما زال النوم لذيذا ، وما زال التصفيق حادا ، لكن صوتا يتدخل بقوة ، يعرقل النسمات ، يباعد الصيحات ، يحاول أن يتسمع ، يزداد الصوت ، ويقترب ، ينقطع التصفيق تماما ، لكن سعادته لم تنقطع .

فلم يكد يتبين ذلك الصوت حتى عرفه ، قد كان ينتظره ، لم يعد فى حاجة إلى أن يقاوم أجفانه النعسى ، انفتحت شباكها ، كما لو قائد تفتح أمامه قسطنطينية الروم بعد عناد ، انفتحت كما لو أنها ترتاد أفق للحياة جديد ليس لها به عهد ، أخذ يبحث بنصف عين عن مصدر الصوت الذى كان قد انقطع لتوه ، فما لم تسفعه عيناه ، انطلق بيديه يعارك الوسادة .. وبقدميه ينفض الفراش ، حتى أصبح مرقده فى لحظة خال من كل ما عليه ، حتى هو نفسه وقع على الأرض من شدة المعركة .

وبعد أن هدأ غبارها بدت أرض المعركة خالية إلا من خاتم فضى صغير على حافة السرير يستقر خلفه الهاتف الصغير الذى ما إن وقعت عليه عيناه حتى انطلق صوت منبهه يخرق السكون من حوله ، فانطلق إليه يكممه : ها أنا قد صحوت .. صوت رسالتها يكفى لكى يوقظنى ، لست بحاجة إلى عشرين رنة ورنة كى أستيقظ هذا اليوم ، كنت أحتاجها قبل ذلك ، قد أحتاجها بعد ذلك ، لكننى لست فى حاجة إليها الآن ، ثم يضحك وكأنه يداعب طفله المدلل الصغير ، ويضغط على أزاراه بشده ، أنا فقط أحتاج أن أقرأ رسالتها .. الآن

الفراش ما زال خاليا ، غطاؤه فى الأرض ، وسادته فى الأرض ، يجلس أمام قائم السرير الأيمن الأمامى ، خلفه مكتبته الصغيرة التى تعتلى خزانة ملابسه ، تغص بعشرات من الكتب ، لا من كثرتها ، بل من ضيق المكان ، أمامه مكتبه الصغير تعلوه أكوام من الورق ، وهو جالس فى الظلام ذاهل عما حوله يقرأها .. يعيش معها ، كأنه يجلس فى وضح النهار ، قدماه تتدلى فى نهر ينحدر من بين الصخور ، يتثنى بين المروج والزهور ، نعم إنه يعش معها يتلمس صوتها الرخيم تغنى له :


في عامك الحادي والعشرين
يزداد خوفى .. يزداد حبى .. يزداد القلق

(خوفي !!! نعم )

خوفي اذا جاء المساء
وما أتيت مع القمر!

خوفي اذا جاء الخريف
وما رجعت مع المطر

خوفي إذا الشوق عربد داخلي
وبرغم اخفائي ظهر

خوفي اذا ما رحت ابحث عنك
ذات يوم .. ياحبيبي
ولم أجد لك من أثر

ترك الهاتف يغفو بين يديه ، حتى مال إلى قدميه ، واستقر على الأرض ، سرح بعينيه فى الظلام الذى بدأ يخف شيئا بشىء مع ضربات الضوء المتتابعة على شباك الغرفة الموصد ، أخذته نشوة عذبى : ها قد بلغت ذاك اليوم ، ها قد وجدت ما تمنيت فى هذا اليوم ، ها هى كلماتها تحيينى اليوم بعد اليوم ، ومن أول يوم أخذ حبنا درب الأمان ، من أول يوم عرف خاتمينا طريق أصبعينا ، ونحن نخلق من جديد وكأن عمرا بأكمله عشناه لم يكن إلا رحلة لهذه الأيام وتلك اللحظات ، لا أصدق نفسى أننى نجحت فى هذا ، لا أصدق أننى حققت ...

التقطه ثانية ، راح يعزف الحروف من صدى لحن رسالتها ، الذى ما زال يرن فى أذنيه :


حدوتُ عشرينا من السنين وجئتنى الحينا
فكأننى لست الحادى ولا هى العشرينا

لو علم الحادى أنك منتهاه .. لما أبطأ تلك السنينا ..

وسيظل الحادى يحدو العمر عشرينا بعد عشرينا
فى حبك وحدك .. لا تقلقى .. وإياك أن تخافينا


أرسلها سريعا ، وبعد أن اطمأن على الوصول ، وقبل أن يهم بالنهوض ، أحس بصوت غريب يعكر تلك السمفونية التى تترنم فى أذنه ، كذلك الصوت الذى كان يقطع سعادته فى نومه ، حاول أن يقضى عليه ، يفتح الرسالة ثانية ، يعاود قراءتها ، الصوت يفوح من بعض حروفها ، نعم هاهى : خ و ف ى ، ما هذا ، إنها تتكرر وكل سطر ، كل سطر ( خ و ف ) من الفراق .. ( خ و ف ) .. من الجفاء ( خ و ف ) .
يحاول أن يغالبها يحاول أن يبحث عن حروفه الأثيره : ح ب ، ع ش ق ، يجد صوتها مبحوحا وسط السطور ، قد ألبستها حروف الخوف سحابة الموت ، يهتز الهاتف فى يده ، يصخب الصوت فى أذنه ، يقرر بكل قوته النهوض هذه المرة ، يستند على قائم السرير ، تمسك يده برف المكتبة الصغير ، يتباعد جسده قليلا عن الأرض ، يهوى سريعا مرة أخرى إليها ، ينكسر الرف تهوى الكتب من الكتبة ، تتطاير الأوراق من المكتب ، تتلاطم على وجهه ورأسه ، وصوت اللحن قد صار حفيف أفاعى ، أو عواء ذئاب ، ورائحة الخوف فى كل مكان ، على كل الأسطر وفى كل الحروف ، يجد أوراقه ملوثة بالدماء ، ما هذا ؟ إن يده مجروحة ، جرحت عندما انكسر الرف منه ، يحاول أن يرفعها حتى لا تتلوث أوراقه أكثر من ذلك ، يحاول أن يتذكر كيف يتصرف لا يريد لتلك الدماء أن تلوث : كتبه ، أوراقه ، ثيابه ، خاتم إصبعه ... خاتم إصبعه ، أين هو لقد رآه الليلة مرة ، حين كان فوق السرير ، لم يره ثانية ، يقوم من فوره مذعورا ، يعتلى السرير ثانية ، ما زال فارغا ، هذه المرة ليس عليه أى شىء ، خال من كل شيء ، تروغ عيناه فى كل مكان يفتح الأنوار ، يستجيب لطرقات الضوء على الشباك ، يدور بقدمه ويقع مرة أخرى على الأرض ..

لكنه يفتح عيناه بصعوبة بعغد إغفائة لا يعرف زمنها ليجد كل شىء مكانه ، ينطفىء الضوء ثانية ، السرير يحوى الوسادة والفراش ونصف جسده ، المكتب عليه أكوام الورق ، المكتبة متخمة بالكتب ، الأرض خالية تماما ، ليس عليها أى شيء إلا نصف رأسه المنزرع فيها ، وفمه المفتوح من الكابوس المزعج .

يحاول أن يتلمس فى هدوء الحلم من الكابوس ، الحقيقة من الخيال ، يستعيد هدوءه ، ويتمدد على السرير ، ما زالت رائحة الخوف تملأ المكان ، ينظر بروية فإذا كل شيء فى مكانه تماما ، ببطء يتحسس يده ، تلمس أصابعه ، واحدا تلو الآخر ، بلا جدوى لا يجده ، لا يجد بها خاتم من فضة ، ولا حتى من حديد ، ينتشر الدمع فى عينيه ، ييبس الدم فى عروقه ، تعترى رعشة الخوف جميع جسده .

يرن صوت منبه الهاتف ، يدعه يرن ويرن ، يدعه يرن رنته الحادية والعشرين ، فلا وصل صوت رسالة يوقظه ، ولن يصل ، لن يصل .

رائحة الخوف ما زالت أيضا فى المكان حتى بعد أن فاق من الحلم ، لكنها لم تعد رائحة الخوف من الفراق .. رائحة الخوف من الفراق حبيبتى ، أضحت خوفا من تأخر اللقاء ، خوفا من عدم القاء ، خوفا من استحالة اللقاء ، وحروف الحب الشاحبة تتأبى عليها سحب السماوات أن تمطرا ، ماذا سيقول لو كتب لها سيقول :

لا تخافى بعد الآن ، ولا قبل الآن ، لا تخافى أن يهل قمر ولا آتى معه ، لا تخافى أن يأتى مطر خريف ولست معه ، لا قمرا يهل ، ولا خريف يأتى ، لأنه لا شمسا طلعت ، ولا ربيع أورق ، كل شىء جامد لا يمر .

لن يبعث لها رسالة فى هذا اليوم ، لن تبعث له رسالة فى هذا اليوم ، لن يكون سوى يوم كأى يوم ، كل ما هنالك أن صفته ستتغير من قاصر ، إلى رجل رشيد .. وطالما لم أرض بالأولى منهم فى حياتى ، فهل أفخر بالأخرى منهم أيضا ، شكرا أيتها الدولة التى يحيا فيها الفتى القاصر والرجل الرشيد سويا فى كبد .

يسكن الكون من حوله لحظة ، وتشق " الله أكبر " السكون بكل قوة ، وتذعن كل ذرات جسده للنداء ، يقوم بتؤدة يمر على صورته من تحت زجاج المكتب يوم أن كان حاد فقط بلا عشرينا ، يوم أن كان لا يُحرم حبا من عينى أمه ، ولا عطفا من يد والده ، ومع ذلك يقذف بإصبعه فى النار كثائر على طبيعة كل طفل يخشى النار ، منذ أن كان حاديا فقط ، علم أن عشرينه سوف يملؤها كلها حبا وثورة ، هو لم يضن عليها بثورة ، فلم تضن عليه اليوم بحب ، لا يعلم .

بجانب الصورة أوراق على مكتبه ، تذكره التصفيق الحاد الذى خالط أذنه طوال الليل ، ها هى إنجازاته ، حبر على ورق ، يطرب لها الناس أحيانا ، يعجب بها البعض أحيانا ، لكنها فى أغلب الأحيان لا تنتزع منهم سوى ما لا يكلفهم شيئا ، ولا يغير من حركة سيرهم فى سواقيهم شيئا ، لا تنتزع منهم سوى التصفيق ، ما فى الحياة إذن يستحق هذا الإجحاف ، ما فيها حب لعاشق ، ولا فيها من منطق لعاقل ، من فيها لا يحس بمشاعرك ، ولا يقتنع بمنطقك ، ففيم الحياة ، وفيم المما .. وقبل أن يتم كان المؤذن قد صدح بها عالية " لا إله إلا الله " .

26‏/5‏/2008

أبجد .. وأربعة أعوام من الثورة


لم يكن حصاد أربعة أعوام من ثورتى كحصاد أربع سنين من قسيمها الحب ، فإذا كان الأخير لم يخلف إلا نظرية ، تفتقر إلى التطبيق ، ولم تترك إلا نبتة تحتاج إلى عون السماء مطرا كى تشتد على عودها .. كى تزهر كى تثمر ، فإن الثورة .. ثورة ، ترفض تنظيرا بلا تطبيق ، تتأبى على خنق المحابر لها فى أعناق الأقلام ، حتى إذا ضاقت بها دفنتها بين أوراق فاتر بياضها كما الأكفان .


هذه الثورة قد تلونت وتشكلت عبر ممارسات فى أربعة أعوام جامعية ، وهى نموذج وضعته نصب عينى منذ بداية الطريق ، فالجامعة هى النواة المنوط بنا التغيير فيها ، إن نجحنا نجحنا فى الدوائر الأوسع خارجها ، فمعظم المعطيات الخارجية لها ممثل فى الجامعة بالحجم المناسب للطالب الذى يمثل المواطن العادى خارجها .


فهنا أمن الجامعة كما أن هناك أمن الدولة ، وهنا إدارة الكليات ، كما أن هناك الحكومة ، وهنا طلاب الاتحاد كما أن هناك أعضاء مجلس الشعب ، وهنا الأساتذة كما أن هناك النخبة ، وهنا أيضا معظم قوى المعارضة وعلى رأسهم الإخوان أساتذة وطلابا ، وهنا ألوف مؤلفة من الطلاب السلبيين ، كما الملايين المملينة من المواطنين الانهزاميين ، ومطالب أنت وسط كل هذا أن تثبت ما تدعيه من نظريات فى الإصلاح وسط كل هذه القوى والتكتلات ، كى تقنع نفسك على الأقل بأنك قادر على تحقيق هذا خارج أسوار الجامعة .


عضو مضطهد فى جماعة ( الصحافة ) تابعة للنشاط الثقافى التابع للاتحاد فى العام الأول ، ثم نائب مقرر جماعة أكبر منها بقليل ( جماعة الإلقاء ) ، ثم ممثل لرابطة طلاب العمل الإسلامى ( حزب العمل ) ، ثم مفصول من الكلية أسبوعا ومجرد من كل الحقوق فى ممارسة النشاط ( لمدة عام )، ثم رئيس تحرير مجلة حائط ( المنبر ) تصدر بتوقيعات رمزية فى العام الثانى ، ثم مؤسس ومنظم لواحدة من أكبر أسر الكلية ( فرسان النور ) من الباطن فى العام الثالث ، ثم رئيس لأكبر نشاط طلابى فى الكلية ( أبجد ) يعمل به عشرات الطلاب وينفق عليه آلاف الجنيهات ، ويخصص له المكاتب والقاعات بالكلية ، ويستقطب الأساتذة والوكلاء والعميد الحالى والعمداء السابقين إليه .


هذه هى مراحل هذا الصراع ، ولكن يبقى ما خلف الكواليس ، يبقى التنظير لكل هذا العمل ، عله يفيد من بعدى فى خطى التمكين للأفكار فى الجامعة ، وبما أننى أجلت التنظير للحب ، فإنى آسفا مضطر إلى تأجيل هذه التدوينة أيضا إلى حين

فكونوا بانتظاريهما .. بعد الحادى والعشرين بإذن الله

وأعتذر عن هذا التأخير

6‏/5‏/2008

للحب أنظـِّر


كأى مراهق مصرى اقتحمت بكارة مشاعره أفلام نادية لطفى وعبد الحليم حافظ ، ورشدى أباظة وسعاد حسنى ، وإن كان لا يراها فى بيته إلا خلسة ، فهى فى كل مكان مبذولة غير بعيدة عنه ، تتجدد القصة فى كل رواية وفى كل فيلم ، وما مظاهر جدتها إلا تبدل الأسماء .

كأى تلميذ إعدادى وثانوى هتكت أستار سمعه أغانى عمر دياب وإيهاب توفيق يسمعها يوميا - على الأقل فى كل مواصلة تقله من أو إلى المدرسة ، وهى أغان لا يزيد معجمها الشعرى فى أكثر من جيل على كلمات معدودة تدور حول ( حب - عشق - غرام - وتعالى - وحشنى ) !


كأى مسلم ملتزم نشأ فى بيئة ( سلفية كانت أو إخوانية ) تكتفى بالدفاع بدلا من الهجوم ، وبالتحذير من المحظور ومنعه ، بدلا من خلق المرغوب وندبه ، ولا تقاوم كل هذا ( المرئى والمسموع من المراهق ) إلا بأن غض البصر مطلوب ، وبأن الحب ممنوع ، إن لم يكن حراما فى أحد القولين ، أو ليس له وجود ، ومحض أكاذيب و( قلة أدب ) على أسوء الافتراضات .

بهذه الازدواجية نشأت كأى شاب مسلم ملتزم مصرى ، أنطلق - مما لقنت به عن تلك المشاعر - بين زملائى واعظا فيهم أنكم قوم تجهلون ، وأن الحب الحقيقى هو حب الله ، وحب رسوله ، وحب إخوتك فى الله ، و.. وفقط ، ثم يصيح ساخر : وحب الزوجة يا شيخ ، فاتحشم مجيبا ، بالطبع عندما يكون لك زوجة .



وكان التبرير الأول والأخير بصناعة الحب الشيطانية هى النظرة المحرمة ، هى التطلع على مفاتن إن سترت ، فلن يكون هناك من تحبها ، لأنك ببساطة لاتحب ، بل تشتهى ، إلى أن جاء الوقت الذى انتابنى فيه ما رآه الفتى المراهق فى أفلام السينما المصرية من غير أن أخرج عن طريق الفتى الملتزم ، وهنا حدثت الأزمة ، وهنا تبدأ الحكاية منذ أربع سنوات تقريبا ، ولا تنتهى - مرحليا - إلا فى هذه الأيام ، إذ أنهى فترتى الجامعية ، حاصدا نبت البذرة الأولى التى دسستها على وجل فى التراب قبيل امتحانات الثانوية العامة ، وأنا الآن أراها نبتة يانعة صالحة ، لا أخجل منها ، وإن لم تكن أثمرت بعد .




قريبا ..

نظرية فى الحب ..

لا تعبر إلا عن صاحبها ..

ولكنها قد تصلح للمئات من أمثاله ..

وعلك تكون منهم ..
انتظرونا ...



وحتى لا تنتظروا طويلا ..
يمكنكم أن تقرأوا هذا حتى أعود

2‏/3‏/2008

غزة .. حقائق وأباطيل

غزة ، وما أدراك ما غزة ..
غزة .. ليست مجرد مساحة من الأرض لا تبلغ نسبتها سوى 1% من مساحة فلسطين التاريخية .. ليست مجرد 44 تجمع سكاني يقطنهم مليون ونصف نسمة من السكان ..

ليست قطعة أرض يتناحر عليها أصحاب ألوية صفراء مع أصحاب ألوية خضراء .. ولا كرة لهب يتقاذفها 22 رويبضة يجلسون في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية ..

ولا طفلة مشوهة الأعضاء يشحذ عليها عشرات الفرق السياسية .. ويستجدون بها مواقف وأرصدة لحساباتهم ومصالحهم الشخصية .. ليست مجرد جرحا غائرا حين ينكأ نتصدّى ، وحين يندمل نتلهّى ، ولا مادة إعلامية يقدمها كل حسب رؤيته ، وحسب تخيلاته وأهواءه

إنما
غزة التي رأيت ، أهم من ذلك .. غزة التي عرفت أكبر من ذلك .. غزة التي علمت أقوى من ذلك .. غزة التي أحسست أعز من ذلك

ولذلك يأتي هذا العمل غير مرتبط بموقف معين ولا بقضية جزئية من قضايا غزة ، وإنما هو عمل متمم لـ " قمة حماس وقاع عباس " ذلك السيناريو الذي تنبأت به من أول سيطرة حركة حماس على القطاع ، وصدق هذا السناريو حتى الآن .

الطريق إلى غزة


الطريق إلى معرفة الحقائق من الأباطيل في هذا العمل ينبع من أكثر من مصدر :
1- زياتي الميدانية إلى القطاع في فبراير الماضي ، والتي اطلعت فيها على الكثير من الحقائق رأى العين .

2- جلوسي إلى عدد من القادة والمفكرين الفلسطينيين ، وأكثرهم غزاويين ، ومعظمهم - وليس كلهم - من حركة حماس ، وذلك في لقاءات متفرقة مكانا وزمانا في القاهرة ، وأيضا في غزة عندما ذهبت .

3- اطلاعي المستمر على كافة المستجدات في الشارع الغزاوي ، وذلك من خلال المواقع التي تنقل الصورة من قلب الأحداث هناك ، وقبل أن تصل إلى وسائل الإعلام الرسمية .

4- قرائتي للدراسات الصادرة من المراكز المتخصصة عن حالة القطاع منذ الحسم العسكري لحماس .


غزة .. التطهير الأول



12 سبتمبر 2005 هو تاريخ تطهير غزة من 23 مستوطنة إسرائيلية ، هو تاريخ لطرد 7781 مستوطن يهودي من القطاع في مشهد فريد لم يتكرر منذ إعلان دولة إسرائيل ، ولكن هذا اليوم لم يأت نتيجة خطة الانسحاب أحادية الجانب التي ظلت سنة كاملة في الكنيست حتى تمت الموافقة عليها ، ولكن كان هذا اليوم نتيجة للخسائر المتلاحقة على الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة من سلاح المقاومة الذي يتطور يوما بعد يوم ، ولكن الجديد في هذه المرحلة هو أمرين :

- الأمر الأول صواريخ المقاومة وتطورها الذاتي ، مما سبب قلقا متزايدا على مستوطني القطاع ، وهذا ما يفسر لنا اسجابة مستوطني القطاع لذلك ، وكل ما ظهر على الشاشات وقتها من الرافضين لهذا الإخلاء هو عدد قليل جدا بالنسبة للعدد الأصلي .

- الأمر الثاني هو معركة جباليا أو " أيام الغضب " كما يسميها القساميون ، هذه المعركة للأسف لم تأخذ حجمها الإعلامي المتوقع ، وتم التعتيم عليها بشكل كبير ، وهي معركة دارت رحاها ما بين 29-9-2004 إلى 17-10-2004 ، وخسر فيها الجيش الإسرائيلي - حسب اعتراف ضابط في جيش الاحتلال سابقا وعضو لجنة الأمن و الخارجية في الكنيست - ‏24‏ قتيلاً ، بالإضافة إلى عشرات الجرحى ، والأهم من ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يدخلو معسكر جباليا في هذه المعركة ، ولم يستطيعوا أن يعيدوا احتلال شمال القطاع بعدها ثانية .

وهذا الفيلم ( قساميون في أيام الغضب ) يضع أيدينا على كافة تفاصيل هذه المعركة ، وأياضا يمكننا أن تستشف من خلاله تصورات معركة جباليا الثانية - التي سيتم الحديث عنها لاحقا - وأي معركة مقبلة عموما .



إذن أصبح المستوطنون في خطر ، وجنود الاحتلال - الذين هم حماية لهم - في خطر أيضا ، فلم يكن هناك بد من الانسحاب ، ومن هنا نفهم أنه لم يكن مجرد عطية ولا منحة للشعب الفلسطيني ولا هو " أحادي الجانب كما يسمونه " بل إنه هزيمة كبرى ، وإثبات لنتائج المقاومة بالمقارنة بنتيجة التفاوض التي لم تثمر عن شيء مماثل .

هذا التطهير إذن مهم جدا في فهم طبيعة الأرض الغزاوية الآن ، والشعب الغزاوي ، فهي أرض محررة ، والسائر في شارع صلاح الدين ( أطول شارع في غزة ) يجد عن يمينه ويساره عشرات الكيلومترات من أراضي فضاء ، قد كانت بالأمس القريب مستوطنات تقصل بين شمال وجنوب القطاع ، ويتضح ذلك مثلا عند مفترق الشهداء ( مستوطنة نيتساريم سابقا ) والذي استشهد فيه الطفل محمد الدرة ، حيث معالم المكان تبدو ممحوة بفعل تخريب اليهود لمستوطناتهم قبل الجلاء عنها .


غزة .. التطهير الثاني





كخروج أي مستعمر من أي شبر من أرضنا ، لا يخرج إلا وقد ربى على يديه قطاع كامل من الخونة والعملاء ، الذين يحافظون على مصالحه في فترة غيابه ، ويرحبون به إذا قرر العودة ثانية ، بعد أن تكون مهمتهم في ترويض الفريسة قد تمت ، وهذه حقيقة تاريخية في كل الشعوب المستعمرة ، وفي حالة الشعب الفلسطيني تكون المعادلة أصعب بكثير ، لأن الصفوف العميلة ليست فقط تسدي خدمة لعدوها على حساب شعبها ، بل هي تحافظ على حياة عدوها على حساب دماء شعبها ، وهذا هو الحاصل فمن تاريخ 25 / 1 / 2006 ( يوم فوز حماس في النتخابات التشريعية ) إلى تاريخ 13 / 6 / 2006 رصدت منظمات حقوقية ( منها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ) أكثر من 175 حالات إطلاق نار من قبل ما يسمى بالأجهزة الأمنية على مدنين ومجاهدين راح ضحيتها مئات المواطنين ، وتفاصيل هذه الحوادث وأعداد القتلى ، وأيضا المعتقلين وعمليات التعذيب كلها موثقة في " الكتاب الأبيض " الذي أصدرته حركة حماس عقب الحسم العسكري .


وأصبح من مكرور القول الآن أن ندلل على أن قضية الحسم العسكري هي عملية نظيفة مئة في المئة ( خاصة بعد تقرير مجلة فانتي فير الأمريكية الذي نشر مؤخرا ) ، وأن معظم التيار الفتحاوي هو تيار عميل من الدرجة الأولى ، ولكن ما نود التنبيه عليه ن أن غزة بعد التطهير الثاني أصبحت مدينة أكثر نقاء ، بل أستطيع أن أقول أنها البقعة الأنقى الآن بين عالمنا العربي والإسلامي ، وهذا ما سيُدلل عليه في أكثر من موضع .



غزة الحدود


وفقا للسيناريو المطروح سابقا ، فإن إسرائيل باتت تعمل من اللحظة الأولى على عزل قطاع غزة ، ليس عن الجسد الفلسطيني وحسب ، بل عن الجسد العربي والإسلامي من كافة النواحي ، ولكن يبقى أنه على الأرض لا يوجد أكثر من ثلاثة معابر حدودية متاحة لغزة ، معبرين مع مصر وهما : معبر كرم أبو سالم ، ومعبر رفح ( بوابة صلاح الدين ) ، ومعبر مع الكيان الصهيوني ( معبر إيريز ) .

أما معبر كرم أبو سالم فهي النقطة الحدودية الوحيدة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية حتى الآن ، وتعتبره مغلقا أمام المواطنين والبضائع الفلسطينية ، دخولا وخروجا ، وهو المعبر الذي رفض الحجاج الدخول منه إلى قطاع غزة ، لأنهم يعلمون أن مصيرهم سيكون إلى سجون الاحتلال .

ولا يختلف عنه معبر إيريز ( على حدود شمال القطاع ) شيئا ؛ فبالرغم من أنه المنفذ الوحيد لتزويد القطاع بالمواد الغذائية والأساسية ، إلا أن الحصار أوصل بنسبة المواد الغذائية الداخلة للقطاع 10% من احتياجاته الأساسية ، أما المواد الأساسية الأخرى فصودرت تماما منذ ثمانية أشهر ، ولم يدخل القطاع منها شيئا حتى الآن .

إذن في ظل هذا الوضع الحدودي الخانق يبقى معبر رفح المخرج الوحيد للأزمة ، خاصة أنه معبر من المفترض خضوعه سابقا لعمليتي التطهير الأولى والثانية ، فبعد أن كان يسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي هو وكافة الشريط الحدودي بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية ، أصبح الآن محرر تماما ، ويمكنك أن تشاهد الأبراج الإسرائيلية الفارغة على طول الحدود ، كما تشاهد الدبابات الإسرائيلية المعطبة في أرض سيناء متذكرا نصر أكتوبر ، وأيضا هو محرر من اتفاقية المعابر ( 2005 ) التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية ، وجهاز مخابراتها المتعاون بشكل تام مع الاحتلال ، بحيث يشكل بديلا عنه .

فبهذه المنطقية يكون معبر رفح هو المعبر المعول عليه في فك الحصار ، ولكن المشكلة تجلت في أن المعبر محرر من طرف واحد ، وأن الطرف الآخر ( مصر ) لا يعترف بهذا التحرير بل يتعامل بتعسف وتعنت أكبر منه حال سيطرة اليهود عليه .

ولذا فإن من المنطقي جدا أن نعرف بأن خطة نسف الحدود المصرية - وهي خطة طبيعية جدا في سياقها - تم التخطيط لها منذ ثمانية أشهر ، أي منذ استولت حماس على القطاع ، وعلمت كيف ستدار لعبة المعابر عليها ، وهذا التوقيت ليس جزافيا بل هو موثق ، وكاف لكي يقطع في كل ليلة - على مدار الثمانية أشهر - متر واحد من السور الحديدي بالأكسجين .

وقبل أن أغادر هذه النقطة أحب أن أنبه إلى أن مصر لا تتعامل حتى مع حدودها كأي بلد عادي ، ولا حتى وفقا للقوانين الدولية التي تتشدق بها ، فلا توجد دولة في العالم تغلق حدودتها مع جارتها ، إلا في حالة كونها عدوة لها في وقت حرب .



غزة الدولة

مهما سمعت عن غزة فلن تدرك أنها دولة حقيقية مستقلة إلا إذا ذهبت وعاينت ، وأحسست من أول وطأة قدم لك أنك تشعر بالأمان في دولتك ؛ فغزة تحققت لها عناصر الدولة كاملة ( الأرض .. الناس .. إرادة الناس " الحكومة " ) ، وهي بذلك يصدق عليها مصطلح الدولة أكثر ما يصدق حتى على كثير من الدول العربية والإسلامية ، التي لا تعبر حكوماتهم عنهم ، ولا تدار أرضهم بإرادتهم ، ولن أستطيع إحصاء مظاهر الدولة ، ولا لمظاهر كون هذه الدولة إسلامية بمعنى الكلمة في غزة كلها ولكن أمثل لبعض منها في هذه النقاط .

سياسيا


من أهم ما يميز الظاهرة السياسية في غزة هو حجم التسيس الشعبي ، حيث لا تجد - إلا نادرا - في غزة أناس عاديين غير مسيسين ، ليس لهم فصيل سياسي فضلا عن رأي ووعي سياسي بكل ما يجري حولهم ، وهذا قد يفسر لنا عدم انسياقهم وراء الدعاى السياسية الكاذبة ، أو ما يسمى بالتضليل السياسي على مستوى العالم ، ومن الغريب حقا أن تجد هذا العمق السياسي ممتد إلى الأطفال أصحاب الست والسبع سنوات ، حيث تجد الطفل منهم يعرف رموز العمل السياسي والجهادي من فصيله ، ومن الفصيل المقابل له ، ويذكر لك عشرات الأسماء والأحداث ، في موقف لا تجده لدي أبناء العشرين من مصر مثلا .

ظاهرة أخرى تم التضليل عنها إعلاميا وهي ظاهرة التنوع السياسي ، حيث أخذ الإعلام يفتري على حركة حماس كافة أنواع القمع السياسي في القطاع ، والحقيقة منافية لذلك تماما ، فأتباع حركة فتح الذين لم يتورطوا في أعمال القتل والسطو المسلح يتمتعون بكافة حقوقهم ، ويرفعون أعلامهم جهارا نهارا ، وأنه لا يوجد بيت في غزة إلا وعليه أكثر من علم لأكثر من حركة ، وكثير ما يجتمع العلم الأخضر مع الأصفر مع الأسود ، وهذا لا يبين حجم التنوع السياسي فحسب ، بل ونضج هذا التنوع الذي يتعايش بهذا الشكل العجيب .


أمنيا


الدولة تعني الأمان ، وشعوريا أحسست بأنني آمن على نفسي في غزة أكثر من مصر ، أما واقعيا ، فإن جهاز الأمن الوقائي قبل الحسم العسكري لم يكتف بعدم توفير الأمن ، بل تولى مهمة إشاعة الفوضى والفلتان الأمنى ، بحيث أصبح معظم الشارع الفلسطيني يحمل سلاحه أينما توجه ، ولو إلى السوق .

أما الآن فقد سنت حكومة حماس القوانين التي تغرم إطلاق النار ، أو حمل السلاح ، ولو حتى لمجاهدي القسام ، اللهم إلا في المناطق الدفاعية الحدودية المعروفة ، والتي تعرف بمواقع الرباط ، وأصبح الوضع الأمني في غزة من كبرى حسنات حماس في القطاع ، حيث يعترف بذلك أعدائها قبل أصدقائها .

اجتماعيا



استقرار اجتماعي طالما طالعت أشباهه في مجتمع المدينة في العصر الأول ، وفي مجتمع الأندلس في العصر الوسيط ، واليوم أجد بعضا منه في العصر الحديث .

هذا الاستقرار الاجتماعي يتمثل في شيء واحد ، وهو عدم احتكار فئة من المجتمع توجيه وبناء وقيادة المجتمع دونا عن الفئات الأخرى ، ففي غزة يقف الرجال في صف واحد مع النساء والأطفال والشباب .. في غزة يشارك الأطفال مشاركة حقيقية في بناء المجتمع ، وترى روح عبد الله بن الزبير الصغير ، والمعاذين تسري في أطفالها .. في غزة لا يتم الشاب فيها عشرين عاما إلا وهو متزوج وله عمل ، وله سلاح يرابط به في وجه أعدائه ، فضلا عن كونه طالبا أو مدرسا ، فالعلم عندهم ليس مرحلة انفصالية يتخم الشاب بها فترة في حياته ، ثم يلفظها دفعة واحدة بعد أول قرش يوضع في جيبه ، أو خاتم في يده .. النساء أيضا تشارك هناك في كل شيء حتى في صناعة السلاح القسامي .

ولذا ينعكس ذلك على البيت الغزاوي ، وعلى الشارع أيضا ، فلا تكاد ترى - في الشارع - امرأة بدون رجل ، ولا رجل بدون امرأة ( وهذا أيضا بسبب تعاملهم المنطقي مع موضوع تعدد الزوجات ) ، ولا أطفال متسولون ، ولا معاكسات في الطريق .. إلخ ، ولن أستطيع أن أحصي فعلا كم الراحة النفسية التي يجدها الإنسان بين دفء هذا المجتمع الذي يعيش شتى ألوان القهر .

ولكن برغم كل هذه الوقائع والحقائق فإن هناك أباطيل بشأن إجبار حماس المجتمع على التأسلم ، وهناك كتابات أخذت تحذر من تجربة مشابهة لطالبان ، ومن فرض حماس النقاب على النساء ، وإغلاقها للقهاوي ، ومنع التدخين ، وأشياء أخرى على هذه الوتيرة .



وإن كانت الواقع يشهد بأن نسبة النساء المحجبات تصل إلى 90 % ( في معظم مدن القطاع التي زرتها ) ، نصفهم تقريبا منتقبات ، فإن حي مثل حي الرمال تجد فيه الكثير من السيدات بغير غطاء رأس ، والأكثر من ذلك تجد بعض محلات الكوافير بحجمها الطبيعي ، وتجد حتى بعض الإعلانات لشركات كبرى بها فتيات غير محجبات ، مما يؤكد على مرونة حكومة حماس مع المجتمع ، وأنها فقط توفر له الجو الذي يساعده على الاستقامة .


إعلاميا


أكاد لا أصدق نفسي إذ أقول إن النضج الإعلامي عند الحركات الإسلامية في فلسطين أكثر من النضج الإعلامي عند كثير من نظيراتها في الشارع الإسلامي ، و برغم الثغر الجهادي التي تنوء بتحمل واجباته ، إلا أن هذه الحركات لا تغفل عن دور الإعلام في خدمة قضاياها .


فمن أول مئات الصور التي تملأ الشوارع للمجاهدين والشهداء يحملون أسلحتهم وينطقون بوصاياهم ، إلى قناة وإذاعة صوت الأقصى الرائعتين ، تجد العديد من الوسائل الإعلامية التي يحرص علها حرصا شديدا ، ويبذل فيها بذل عال ، ولا أدل على ذلك من فيلم ( قساميون في أيام الغضب ) الذي يكشف عن الاهتمام الشديد بتصوير كل لحظة من لحظات العمل الجهادي بطريقة ( وثائقية / درامية ) ، وأيضا الاهتمام الكبير بالتواصل عبر الإنترنت ، وتفعيل دوره الإعلامي ، في تدثين المواقع ، والمنتديات .

والعجيب أن حماس من بعد تسلمها لزمام الأمور عاظمت من هذا الدور ، وتخطت مسائل خلافية كثيرة في هذا المجال ، ما زالت حركات أخرى تخوض فيها - كالتصوير والموسيقى وصوت المرأة - لدرجة أنها حولت بعض القساميين من العمل الجهادي المسلح إلى العمل الإعلامي ، لسد حاجة الناس إعلاميا ، في وقت يشهر الإعلام الخارجي كل أسلحته في وجه غزة بالذات .



عسكريا

من مخيم جباليا على الحدود الشمالية للقطاع ويظهر عن بعد مستوطنة سيديروت

لم أكن أنوي التحدث عن تفاصيل هذا الجانب طويلا ، إلا أن العملية العسكرية البرية الأخيرة ( الشتاء الساخن ) في بيت جباليا حدتني إلى توضيح الوضع العسكري الآن في غزة ، كي يتبين آخر وأهم فصل في هذا الملف ، وإن كنا سنقصره في الحديث عن الفصيل صاحب اليد الطولى في هذا الميدان ، وهو كتائب الشهيد عز الدين القسام .

ليست كتائب عز الدين القسام مجرد مجموعات صغيرة من المسلحين ، أو أنهم مجرد مجموعة من العصابات ، أو منفذي العمليات الاستشاهدية ، وإنما هي أقرب إلى كونها جيشا بالمصطلح الحديث ، فغزة مقسمة إلى ستة لوائات في الشمال والجنوب والوسط ، وكل لواء مقسم إلى عدة كتائب ، وفصائل ، ومجموعات ، هذا من حيث الكم والتغطية الشاملة للقطاع .

أما من حيث الكيف ، فقد أثبتت الكتائب في الفترة الأخيرة قدرتها على مجابهة العدو ، وتقدمها النوعي الذي نما سريعا بعد الحسم العسكري لسببين :

1- أن المعوق الرئيسي للمقاومة في القطاع ، وهو السلطة الفلسطينية ، قد زال ، وأصبح الشعب ظهير المقاومة وحاضنها .

2- كم المعدات العسكرية - من أول السيارات المجهزة إلى المضادات الأرضية - الأمريكية الفتحاوية التي حصلت عليها حماس بعد التطهير ، وكم المواقع المشرفة على أماكن حدودية حساسة ، والتي كانت تحت سيطرة فتح أيضا .

ولذا فإن الرهان الإسرائيلي على أي حرب برية على قطاع غزة هو رهان فاشل إلى أبعد درجة ، ويكفي أن نقول بأن عالم الرباط وحده كفيل بأن يلقن أي هجوم إسرائيلي درسا قاسيا لن ينساه ، فـَليل غزة ليس كليل أي مدينة ، حيث تكون الشوارع شبه خالية من بعد صلاة العشاء إلا من عشرات المرابطين من كافة الأعمار ومختلف المشارب والمهن والأفكار ، على كل ناصية شارع ، أو عطفة حارة ، أو وسط ميدان ، وكل ذلك موزع في خطوط دفاعية ثابتة ، يصعب على العدو اختراقها ، كما يصعب أيضا على الطيران قصفها مجتمعة ، ولعل معركة جباليا الثانية والتي قتل فيها خمسة جنود صهاينة وجرح العشرات ، لهي أكبر دليل على أننا نستطيع أن نقول الآن أن لدولة غزة جيش يحميها ، وهو مستعد لحماية كل فلسطين ، وكل هذه المعلومات أعلنت من قبل وتعلن ، ولكن الإعلام يعتم ويغطي ، ولا يعطي إلا صور الجرحى والشهداء المدنيين .



إن حرب الأيام الستة - كما سماها هنية اليوم في خطابه - لهي رصيد جديد ليس لحماس فقط ، ولا لفلسطين فقط ، بل للأمة كلها ، يجب أن تفخر وتفاخر به ، وتضمه إلى سلسلة ومضات النور والنصر الحقيقية التي تلمع في سماء هذه الأمة من قتلى الجنود الأمريكان في العراق ، وأفغانستان ، ومن دحر الاحتلال عن غزة ، ومن هزيمة إسرائيل في جنوب لبنان على يد حزب الله .


غزة .. مشروع أمة





وأخيرا عندما نتكلم هنا عن غزة الدولة ، لا نقصد بحديثنا أن تستقل غزة عن الضفة ولا عن فلسطين ، وإنما نعني أن نقر بأن حماس لم تفشل ، ولن تفشل ، وأنها جديرة بإدارة فلسطين كلها ، وأن تجربة حماس هى تجربة رائدة بكل المقاييس حققت التتصور الإسلامي الصحيح لمعنى الدولة من بعد عشرات السنين من سقوط الخلافة العثمانية وإن الفرق برأيي ليس إلا المساحة الجغرافية .

هذا أولا ، أما ثانيا فإننا - نعني الإسلاميين عموما - يجب أن نتعلم الكثير من حماس ، ونعلـَم الناس الكثير عن حماس ، التي تحارب أشد محاربة في كثير من وسائل الاعلام الرسمي وغير الرسمي - خاصة بعد عملية فتح الحدود - ويفتح عليها كل رويبضة لسانه السليط ، لينال ممن لا يستطيع أن يبلغ معشارهم ، نعم فهؤلاء السياسيون العرب راهنوا عن بكرة أبيهم بفشل نموذج حماس ، وها هو النموذج ينجح ويثبت نجاحه يوما بعد يوم ، ويتخطى بثبات عقبة بعد عقبة ملقيا بثقل النصر كله في كفتين لا ثالث لهما : الحركة الإسلامية .. إرادة الشعوب ، وبالطبع فإن الكفتين ضد مصالح أي مسئول أو حاكم عربي ، وأي عميل أو عدو صهيو أميركي في المنطقة .


ولا أستطيع في النهاية أن أكتم كلمة تغص في حلقي ، ألقاها على واحد من هؤلاء في مرارة وأسى ، وهو يتحدث عن الإسلاميين في مصر - وعلى رأسهم الإخوان بالطبع - حيث يقول : ظلهم تمانين سنه من البرلمان للزنازين .. ومن الزنازين للبرلمان .. وإيش سوو ؟!

8‏/1‏/2008

غريم الشجن



لنعلن أن الخسارة ربح وأن الغريم غريم الشجن
وأنك مهما تجسدت ليلا ستصبح فجرا بلو...



لن يهدأ بهذا الغناء ، أنفاسه لا تزال مضطربة ، بقى على الموعد خمس دقائق ، قد خزن في ذاكرته جيدا كل ما يريد أن يقوله في الثلاث ساعات القادمة ، ولا يريد حتى أن يراجع ، يريد فقط أن يأتي هذا الموعد ، بل أن ينتهي الموعد.

خطواته قد اقتربت من المكان ، دلف إلى البهو ، تخلص من زحام اليوم الأول المعهود بالكاد ، التقط أنفاسه ، سار في الردهة الخلفية الطويلة التي لا يكاد يسير فيها أحد .. التهمت أقدامه الدرج في سرعة فائقة ، اقترب من الباب ، لم ينظر في أي ورقة من أول دخوله للكلية ، ليس متيقنا بأن هذه لجنته ، ليس معه حتى رقم جلوس ، ولكنه يعرف ، ليست هذه هي المرة الأولى ، ولا الثانية ، إنها المرة السابعة

هو هذا المكان بالتأكيد ، نعم اسمه هنا هو هو منذ المرة الأولى ، رقمه تغير ، بالتأكيد تغير ، لكنه لا يعرف تحديدا ما الذي تغير فيه ، لأنه لا يتذكر سابقيه ، أخذ بحركات تلقائية يخرج كل ما تحويه جيوبه ، هذه البطاقة للملاحظ ، وهذا الهاتف يغلقه ، هذه الأقلام الجديدة التي يشتريها كل مرة ولا يعرف عنها شيئا بعد الانتهاء ، يدير عينيه في المكان ، يحاول أن يهيأ نفسه ، يفتعل البسمة في وجه هذا وذاك ، وجوها ملازمة للمكان أيضا منذ المرة الأولى .

ها قد جاءت الأوراق ، يمسك بالأقلام ، يسطر اسمه الذي يحفظه ، ينقل الرقم الذي لا يعرفه ، يكتب المادة التي صحبته في كل مرة .. يقف القلم عند الخانة الرابعة ، يعييه الجواب ، ماذا يكتب ، وكيف يكتب ، لا يصدق هو ، ولا قلمه أن مرت هذه الفصول وتلك السنوات ، ما زال يتذكر أول مرة ملأ فيها هذ الخانة بكل ثقة : الفرقة الأولى ، كيف كان يشعر أن بينه وبين ( الرابعة ) بحور من الأمل والعمل ، كيف أنه خاضها ، يغالب الموج ، والموج غلاب ، يتقاذفه من فصل إلى لآخر ، يرى في الأفق يابسة ، فيها جنة موعودة ، وحبيبة تنتظر ، ولواء مرفوع ، أتراه نزل إلى الشاطيء اليوم ، إن الرحلة أوشكت على الانتهاء ، الشاطىء أمامه فعلا ، ولكنه شاطىء المجهول ، نعم كانت رحلته إلى الشاطىء المجهول .




يستفيق على ورقة الأسئلة يطالعها بنظرة سريعة ، قد رأي كل هذ الكلام من قبل في الكتب ، يطويها حتى يكمل تسطير أوراق الإجابة ، لكن عيناه قد رأتها ، رأت " أحبك " ، رأت " أنا بانتظارك " ، رأت : اشرح .. وتجربة .. وسيد قطب .. وحب

تلفظ أنفاسه بزفرة مكلومة على سخرية القدر من ذاك اللقاء الأول بينه وبين تلك الكلمات ، يوم كان يُعِد للإبحار يوم أن كان في ( سنة أولى ) يتجول في الكلية ذات نهار ، وساقته نفس الكلمات من خلف الباب " تجربة .. سيد .. قطب .. حب ، تفزعت أسماعه ، اقترب من المدرج وهم بالدخول ، حاول أقرنائه أن يقنعوه أن هذه سنة رابعة ، لم يستمع ، أصر ، دخل كالغريب ، مشدوها ، يسمع تلميذ العقاد وهو يقول عن شيخه .. كان قد فاته كثير من القصيد ، لم يعلق بذهنه إلا " أحبك من قلبي الذي أنت ملؤه " ، حفظها في سويداءه ، كانت هذه بمثابه صفير انطلاق السفينة وبداية الرحلة ، واثقا بأنه سيجد نهاية البيت السعيدة على الشاطىء ، لكنه لم يدرك ساعتها ، أن سيد قطب يقوده إلى شاطئه هو إلى الشاطىء المجهول .


ثلاث سنوات حسب أنه استطاع فيها تحقيق كل أدوات الحب ،وتمهيد كل السبل له ، فعل كل ما يطلب منه وما لم يطلب ، لم يسبح بذراعين فقط ، بل بأربعة أذرع ، دراسة ، وشغل ، ونشاط ، و.. والذراع الرابع المكسور ، وشعور ، ولكنه ما وصل .




مضت نصف ساعة ، لم يكتب فيها شيئا ، هل يكتب الإجابة التي سمعها منذ ثلاث سنوات أم يكتب الإجابة التي عرفها الآن ، لا يهم سيكتب الجابة التي في الكتاب ، لا التي عرفها ، ولا التي سمعها ، سيكتب :

لماذا أحبك هل تعلمين وما السر في الأمر هل تفكرين
أللحسن ، فكم قد لقيت الحسان فما هجن بي ومضة من حنين
أللعطف ، إني القوي العطوف فما أرتجي رحمة العاطفين
أللنظرات ، وللفتات وللسحر في مهجتي تسكبين
وشتى الخلال وشتى السمات لطالما اجتمعت للمئين
إذا فلأي المزايا يكون هواى وحبي هل تدركين


ثم يدع حيرة قطب ، ويتجه إلى العقاد أستاذه ، يكتب بلا توقف ، كالنزيف :

لست أهواك للجمال ، وإن كان جميلا ذاك المحيا العفيف
لست أهواك للذكاء وإن كان ذكاء يذكي النهى ويشوف
لست أهواك للخصال ، وإن رف منهن علينا ظل وريف
لست أهواك للرشاقة والرقة ، والأنس وهو شتى صنوف
أنا أهواك .. أنت ، أنت ، فليس سوى أنت بالفؤاد يطيف


تقف ثورته المعلوماتية ، قد فرّغ جانبا منها ، أخذ يدندن حولها ، يبين وجه النظر هنا ، وهناك ، يستعرض مدى إحاطته بالكتاب ، وفهمه للصعاب ، أخذ يحشد ويحشد بلا حساب .. مر الوقت ، كاد أن ينتهي الموعد ، أخذ في طي ورقة الأسئلة ، لم ينتبه .. السؤال لم يكتمل يوجد في آخره سؤال بريء عن رأيك : بين رأيك

عاد إلى هيئته الأولى ، يكاد يكون أصعب سؤال مر عليه في تلك الفصول ، إجابته طويلة ، إجابته غريبة ، إجابته " ليست معه " ، نعم لم تأت بعد ، عندما تأتي سيعرف فعلا ، سيعرف حقا ، إن كنتم على صواب ، أم على مصاب ، لكن ماذا يقول الآن ، يجب أن يكتب شيئا ، الوقت يداهمه ، يكاد يلمح الإجابة ، نعم إنها في عينيه ، ينطق بها صاحبه ، ينطق بها أبو عزام ، أكمل أحمد .. أكمل غناءك ، أكمل نشيد الصباح ، تمثله يا صاحبي ، فإنه أنت ، نعم إنه هو ، هو أنا ، إنه أنا .. غريم الشجن .

لنعلن أن الخســارة ربـــــــحٌ
وأن الغريمَ غريـــمُ الشجـــــن

وأنكَ مهمــا تجسـَّـــدتَ ليـــلا
ستصبح فجــرا بلون الكفــن

تكتــِّم عينُك ســـــر الدمــــوع
وفي الليل تذرف دمع العلـــــن

ففيم ارتواؤك كـــــأس الحيــاة
وما يعلُ في الكأس غير المحن


حضنت الضحايا ، ضحايا الزمان
وعند انحنائـِــــك ، لم تحتضـــن

فلا الليــــل يحرس ، نوامــــه
ولا الدار تحنو على من سكـن

ولا الخــل هدهد دمع المآقـــــي
ألقى الأمـــــــــان لكي تطمئــن

فلملم حضورك ، حان الغيــاب
وارحل بعيدا في اللا وطــــــن

ليعلن عنـك الزمان الهجيـــن
بأنك جسدت حزن الزمــــــن

تلفظ الدقائق الأخيرة أنفاسها لتعلن نهاية الموعد ، تغلق أوراق الإجابة ، تجمع أوراق الإجابة ، ينصرف الطلاب ، والمراقبون ، والأساتذة ، يظل في مكانه جالسا ، يحس أنه نسي شيئا ، ماذا نسي ، لا يعرف ، يجمع أدواته ، يجر قدميه ثقيلتبن إلى باب المدرج ، لا يكاد يبلغه حتى يتذكر ، نعم لقد نسي ، نسي أن يكتب في الخانة الرابعة ، أنه في الفرقة الرابعة ، تركها خاوية .


وما في الأمر هل تذهب الورقة إلى سنة من السنيين الأخرى الخالية ،تذهب أو لا تذهب ، لا يهم ستكون الإجابة واحدة .. هل سيعرف المصحح سر النقاط الخالية ، يعرف أو لا يعرف ستكون النتيجة واحدة ، نعم واحدة .

2‏/12‏/2007

كامب ديفيد .. أوسلو .. أنابوليس


يا قدسُ معذرةً ومثلي ليس يعتذرُ
مالي يدٌ في ما جرى فالأمرُ ما أمروا
وأنا ضعيف ليس لي أثر
عارٌ عليَّ السمع والبصرُ
وأنا بسيف الحرفِ أنتحرُ
وأنا اللهيب… وقادتي المطرُ
فمتى سأستعرُ ؟!
لو أن أرباب الحمى حجرُ
لحملت فأساً دونها القدرُ
هوجاء لا تبقي ولا تذرُ
لكنّما… أصنامنا بَشَرُ
الغدرُ منهم خائفٌ حذرُ
المكر يشكو الضعف أن مكروا
فالحرب أغنيةٌ يجنُّ بلحنها الوترُ
والسِلمُ مختصرُ
ساقٌ على ساقٍ
وأقداحٌ يُعَرشُ فوقها الخدَرُ
وموائد من حولها بقر
ويكون مؤتمرُ!!
هزي إليك بجذع مؤتمرٍيساقط حَوَلكَ الهذزُ
عاش اللهيب… ويسقط المطرُ...*
------------------------------------
التدوينة القادمة - بإذن الله - عن محطات البيع العربي لفلسطين
( كامب ديفيد - أوسلو - أنابوليس - .... )
وما زال القطار يسير فوق مئات من أجساد شعوبنا مضرجة عجلاته بدماء الشرفاء منهم ..
قاطرته صهيو أمريكية وعرباته حكومات عربية ..
لا تعرف أن محطة الوصول هي ( الجحيم )
وقبل نهاية الرحلة لا تزال هناك الكثير من المحطات .. في انتظارنا
ولأن نرمي بأجسادنا تحت عجلات ذلك القطار
ولا نعتلي عرباته أبدا
* أحمد مطر

3‏/10‏/2007

حـالة حــب

جف مداد القلم في حلقه بعد أسطر قليلة من شروعه في مبحث " الحب كعرف بديل " بعدما أحس بوطئته على عقول الناس وأفهامهم .. فتح النافذة قليلا ليتنسم هواء نقيا ، عله يخفف من سخونة الأفكار في عقله ، فثورة القلب تكاد تقضي على منهجية العقل ، وأبجديات البحث .

شعر بنسمات باردة قد أذنت بدخول فصل الشتاء .. لا يحب البرد .. ولا البرود ، إنه يشعر بالبرد حقا ، لكن جسده لا يرتعش .. جسده دافئ جدا .. أو قل ساخن جدا .. لن يستطيع أن يبيت الليلة بدون أن يكتب شيئا .. بدون أن ينطق شيئا ، لكن المشكلة من الذي سينطق من ، العقل أم القلب .. الثورة أم الحب .

بتر كل أحبال الفكر بنصل قرار واحد مفاجيء .. أغلق النافذة .. فتح حقيبة السفر.. وضع فيها زاد ليلة .. وانطلق إليه ..

وفي عالم الأسفار كل حس من عقاله ينفك ، وكل دمعة من مآقيها تنحدر .. ، كانت بقية من خيوط النهار ما زالت عالقة بالأفق ترسم على وجوه الناس ضوء باهتا لا حرارة فيه ، ينعكس الضوء على أجساد لا روح فيها ، أجساد تتناثر على رصيف المحطة .. تبطء وتهرول .. تعلوا وتهبط .. تنزل وتركب ، ولكنها في كل حال تحمل نفوسا متشابهة قد تنكرت معنى الحياة الأول .
وبعد أن أخذ مقعده ، وانطلق ذلك الصوت المألوف الذي قد يعني لكل الناس أن أجسادهم على وشك الانتقال من مكان لمكان ، فإن صوت صافرة القطار المتهدل الحنيني ، الذي بدا وكأنه لكروان يصدح عند الغروب - لا يعني له سوى انتقال روحه من زمان إلى زمان .. زمان تهرب روحه إليه دائما لتتذكر معاني الحياة الأولى .. وفي هذه المرة هو لا يسبح إلا إلى ذاك المعني الذي يحس بدفئه بين جوانحه .. وإن كانت الثلوج تتساقط عليه من كل حي وشيء حوله ..

يتذكر كيف كان - هذا المعنى - دفين دوواين الشعر متى أنشد طرب له الناس ، ومتى مورس ثار عليه الناس ووأدوه حتى جاء من يخرج هذا السجين إلى الحياة ، حتى جاء من يعلنه حالة علنية بين أمته رجالا ونساء ، شيبا وشبانا ، حتى جاء من لم يرض من صاحب جالس في مجلسه يوما أن يخبره بمشاعره تجاه أخ له بعبارة عابرة ، قد تذهب في دفائن النفوس .. ولكنه ينتبه .. وينبهه .. وينبه من بعده " أأعلمتنه " ... " اذهب فأعلمه " ، أشهد الناس ومن قبلهم أشهد الله ، أنك تحبه ، فإن خالقك في الملأ الأعلى وضع الحب " حالة " يعلنها على ملئه ، إن خالقك عندما يحبك أو يحبه ( أي عبد من عباده ) ، ينادي على جبريل ويشهده ، وينادي جبريل على الملائكة ويشهدها ، وينادي الملائكة على أهل الأرض ويشهدوهم .. ، أليس لك في سنة الحب الرباني أسوة ، اذهب أيها الصحابي وأعلم أخاك ، وليشهدك أخوك الآخر ، فيعلم أخاه ، وليكون الحب - كما أراد النبي - بينكم حالة .

تأتي المحطة تلو المحطة ويختفي نور الدنيا أمام أعين الناس لحظة بعد لحظة .. ويزداد نور نفسه ومضة بعد ومضة .. وإن كان يتذكره - ذلك الذي انطلق إله في رحلته - ويتذكر حبه له ، ويتذكر من خلاله أجيال من صحابة وتابعين أحباء ومحبين ، ويريد أن يسمو بحبهما إلى الحالة التي ارتضاها الرب في السماوات ، وصاغها نبيه في الأرض .. فإنه أيضا يتذكرها ، ويتذكر معها أول من نطق بذلك الاسم في موقف هو الأول من نوعه على مر التاريخ ...

" عائشة " .. هو اسم امرأة ؟ ، نعم اسم امرأة بالتأكيد ، لكن هذه الكلمة هي أيضا إجابة عن سؤال من أطهر مخلوق نطق هذا الاسم ، وعلى أي سؤال ! ، على سؤال من أصعب الأسئلة التي يقف أمامها رجالات الزمان يتفلسفون ويتحيرون شعراء وناثرين ، جهالا ومصلحين ، علماء وفنانين ، لم يفكروا يوما أن يردوا كما رد خاتم المرسلين .

نعم رد النبي على سؤال سائله عن حبيبه الأول فقال اسم هذه الحبيبة ، ولم يقل رجلا ، ولم يقل حتى زوجتي ، بل سماها من غير شعور بأي حرج من مثل من كان في مكانته بين قومه ومجتمعه ، ولم يقل حتى في مرحلة الحب التالية " ثم من " أبا بكر ، ولا صاحبي ، ولا حماي ، بل قال أبوها .. ولو كان غيره قالها لاتهمناه بضعف العقل وخفة القلب ، ورقة الحال ، بأبي أنت وأمي يارسول الله ، فإنه لا سيرٌ ، ولا مغازي ، ولا تاريخ قد سجل هذا الموقف من بعدك ، ولا أناس " علوا في الأرض أو سفلوا " قد خلدوا اسم حبيباتهم كما خلدت ، عذرا فإن ذاكرتي لا تتذكر الآن غير اسم " عائشة " ، لم يكن الحب من بعدك " حالة " .

أواه .. إنه وإن كانت ذاكرته لا تتذكر اسما من بعد " عائشة " فإن اسم حبيبته لا يفارق ذاكرته أصلا ، يتلوى به لسانه ، ولا يستطيع أن ينطقه ، إذا حاول مرة يخرسه من حوله ، سلقته الأبصار بألسنة حداد ، يقتلون أحرفه على أبواب شفتيه ، فيخاف عليها ، ويقضم دونها الأسنان ، ويضغط عليها الشفتان في حسرة وأسى .. ستطولان ، حتما ستطولان ، لأنه لم يعد ينتظر أن يفرج عن هذه الأحرف إنسان كمن سار على خطى " أول من أعلن الحب في المجتمع حالة " ، هذا الرجل الذي كان يتجول في مملكته ليرى حاجات الناس من أساسيات الحياة.. وما أساسيات الحياة عندنا إلا الغذاء والكساء ، ولكن حاجيات الناس عنده كانت تتعدى ذلك ..

حتى يسمع من خلف خيمة فتاة تشتكي .. تشتكي ! ، ليس جوعا ولا عطشا ، ولكن تشتكي كما يشتكي هو " حبا " فيكف عن متابعة التجوال ، ويدخل عليها ، " بالله أخبريني فيمن هذه الأبيات " ، تخاف لا تريد أن تبوح ، لكنه يصمم " بالله أخبريني " قالت هو فلان

" فلان " ؟ ، أأنت حرة أم أمة .

" لا أنا أمة سيدي " ، إذا أشتريك

نعم قد اشتريتك .. وأحررك .. وأزوجك منه ..

أقطع كل الفروق ، وأهدم كل الأسوار بينكما ، ولتغردي باسمه كما يحلو لك - ولا تخافي من ألا تنطقيه أمام أحد بعدي - في وضح النهار .. ولتعلني الحب " حالة " .

لن يجدي نفعا أن يجتر هذه الذكريات ، فلن يأتيه أبا بكر يوما ويحرره من رق المجتمع ، يعتقه في سبيل الله .. يعتقه في سبيل الحب .. يستحلفه بالله -كما استحلفها - أن يفرج عن هذه الأحرف التي ما تزال حبيسة من بعد " عائشة " ، ويعيش بها بين الناس ، ليعلن هو الآخر حبه " حالة " .

الطريق يكاد ينتهي ، وشريط الذكريات لم ينفد بعد ، ووجوه الناس المترائية أمامه على أضواء مصابيح الليل وهو ينظر إليها من نافذه القطار ليس فيها أي أمل من دفء ، ولا ينتظر منها شيء .. لا ينتظر من هذا المكان أي شيء ، وإنما مازال ينتظر من ذاك الزمان .. ينتظر من خليفة خليفة " أول من أعلن الحب حالة " ، أن يسمع عنه وعن حبيبته في يوم من الأيام ، فيرق لحاله .. أو - لا يدري - يثور لحاله ، فيتمنى كما تمنى من قبل لعروة وعفراء أن يحييه الله في زمانهما ليجمع بينهما .. ولكن هل يتمنى أحدهم هنا أن يجمع بين المحبين الأحياء المسلمين ، حتى يجمع بين المحبين الأموات وغير المسلمين أيضا ! ، ماذا سيقول ابن الخطاب لمن منع الحب من أن يكون حالة بين الأمة في هذا الزمان ؟ ..

وزفر زفرة أخيرة انطلق معها هذا الصفير الحزين ثانية ، إنه صوت نهاية الرحلة الذي بدا هذه المرة كصوت وحش كسير جريح يعوي في صحراء مظلمة ، وقد تخلف دونه سرب الوحوش .

نزل من المحطة ، وفي لحظات اختفت كل هذه الأشباح الباردة من حوله عندما دلف إلى طريق صغير يشرف على حقول ممتدة ، قد كان يبهجه منظرها ، لولا أن جيوش الليل قابعة في المكان تغطي كل شيء بالسواد .. خطوات قليلة ويقابل حبيبه ويبثه حبه .. ويبثه أيضا حرمانه ، خطوات قليلة يحاول أن يصبّر نفسه على قطعها ، يحاول أن يغني .. ينشد .. يحفظ مئات الأبيات لكنه لا يكاد يتذكر منها شيء ، نعم إنه يكاد ، أخذ يهمهم ويدندن ، وكأنها مقدمة موسيقية للغناء

ددن دن ددن دن دن ددن دن ددن ددن
ددن دَ ددن دن دن ددن دَ ددن دن

.. يحثه هذا اللحن على أن يتذكر من القصيد أشد ما يتذكر ما كان ينشده رأس التابعين .. لله درك ياشعبي وأنت تنشد للحب " حالة " ..
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فأنت وعير في الفلاة سواء

يتذكر أكثر ما يتذكر .. أول كلمات أنشدها إمام الأندلس في فتاته ( وهو ابن الخامسة عشر ) :
لا تلمها على النفار ومنع الـ * وصل ما هذا لها بنكير
هل يكون الهلال غير بعيد * وهل يكون الغزال غير نفور

لله درك يا ابن حزم إذا تتابع حبك ، وتقول " لا " ، لكل من يريد أن يحول بين حبك من أن يكون " حالة " :

وأستلِذُّ بلائي فيكَ يا أملي * ولست عنك مدى الأيام أنصرِفُ
إن قيل لي: تسلَّى عن مودته * فما جوابي إلا اللام والألف

ما زال يطرب .. ويتذكر أشد ما يتذكر .. نشيد شهيد القرآن ، حين يدوي صوته " أحبكِ " :

أحبك كالآمال إذ أنت مثلها * تذكّين في نفسي أعز مواهبي
أحبك من قلبي الذي أنت ملؤه * ومن كل إحساس بنفسي ذائبِ
أحبك إذ ترجين مني رعاية * وتهوين ساعات الحياة بجانب

لله درك يا سيد قطب عندما تغني لحبك الذي حبس عن أن يكون " حالة " وتنتظره حتى النهاية ..

أنا بانتظارك ما أبالي * رضي الهوى حكم الجمال
غيبي إذا أو فاحضري * أنا قانع في كل حال
أنا بانتظارك في الشرو * ق وفي الغروب وفي الزوال

أخذته نشوة الإنشاد حتى إنه ليرقص معه في الطرقات .. لا رقصة الطرب .. ولكن رقصة الطير مذبوحا من الألم .. وفجأة يقف أمام بيته .. تقف أنغامه .. يجمع أنفاسه .. تدق أنامله على باب بيته .. ينفتح الباب كالنتظر منذ زمن بعيد في شوق طويل
ليظهر له ذالك المحيا الجميل ، ذو الشعر الأليل الذي يكلل وجهه المستدير بدرا ، ويحيطه بلحية وضاءة ، لم تقصر ولم تطل ، والعينان الوارفتان حبا ، كظل واحة أفاء إليها بعد طول سفر في الفيافي .

- أبو عزام ( نادى بصوت طويل ) .

- صديقي ( في غمرة السعادة ونشوة المفاجئة ) ، حمدا على سلامتك ، وقبل أن ينطق كلمة أخرى ..

- أبو عزام ( في صوت و نظرة جمعوا كل معاني الطريق ) أحبك .. أحبك في مولاى ، أحبك أبا عزام .

يندفع جسداهما تسبقه الروحان في عناق محموم ينسيه برودة الطريق الطويل إليه في لحظة ، وكأنه غمس في الجنة لتوه من رحلة شاقة في الدنيا .

----------------------------------

بالطبع يعرف أبو عزام ما الذي أتى بحبيبه ، بالطبع يعرف كم الآلام التي تعتصرها عينه في صمت منذ أن جلسا في ذلك المكان المعهود بينهما ، ولكنه آثر أن يقطع صمته قائلا في شبه دعابة :

- هل ما زلت مصمما أن تكمم فاك دونها .
لم تستطع دعابته أن تنتزع من شفتيه إلا بسمة ساخرة ناقمة ، وانطلق في ألم يقول :

- لا ، أنا لم أكمم فمي يوما دونها ، ولكن لا أحد يستطيع أن يخرجه دونك ، أو قل لا أحد يستطيع أن يدفنه معي الآن دونك ، لقد تقطعت بي السبل دون أن أبوح به ، فلن يتحول بي الزمان ، ولن يجود على المكان ، لا أملك سوى أن أدفنه ، وأدفن معه كل الأوراق التي سطرها الأولون فيه ، ما حيلتي ، ما حيلتي ..

تنهد وهو على وشك أن يبدأ في مراسم الانتحاب ، وكأنه مشيع في جنازة قد برز النعش من أمامه .

ولكن صوت صاحبه يقطع عليه هذا المشهد الجنائزي

- انتظر .. حتما ستعيش حتما ستنعم يتلك الأحرف تتراقص على شفتيك .. حتما سنظل نثور حتى نعيده " حالة " كما كان ، ولكن إياك أن تدفنه ، وتدفنها معه الآن ..

- لا يا صديقي فأنا منذ بدأت لم أجد حتى من يعينني على هذه الـ " حالة " ، لم أجد يوما من يستنطقني اسمها ، لم أجد .. ، أنا أحببت .. وثرت لأحقق هذا الحب .. ولكن ضرام ثورتي - أسفا - لا يستمد وقوده إلا من حب ، فمن يعيرني حبه ، حتى أصل بثورتي إلى مبتغاها .. من ؟

لم يزل يسمعه وهو يتألم ، بل يهزي ، ويقول انتظر .. انتظر ، حتى تنبهت ووقفت عن حديثي ، فاستفاق من شروده ، وقال بقوة :

" انتظر " قالها وهو يمسك بيده زراعي ، ويستل باليد الأخرى ورقة من بين طياته ، آخذا بنفسه في نغم حزين يترنم :
دددن ددن
دددن ددن
دددن ددن دن دن ددن


هو ينتـظر
هي تنتــــــــــظر
وهج الحنين المستـــعر
والفارس الهمجي أجهده السفر
الخيـــل مجهدة .. تـُناثِـرُ خطـوها
وصهيلها المبحوح .. مجهول الخبــر
وهنــاك فـوق القمــة العليا حبيب ينتظـــر
لا الأرض تعلن سرها .. لا الغيم قد حضن المطر
فلترحل الأرض التي ما خلد العشاق فيها
غير ذكرى من غدر

هو ينتظر .. هي تنتظر
وهج الحنين المستعر
والفارس الهمجي أجهده السفر

الليل يسكن خافقي
والذكريات الهاربات .. ولا مفر
لمحات عينيك البريئة وهي ترحل داخل
.. لتدق ألحان الوتر
وقصائد العشق التي سطرتها
الورد .. دفتر شعره
ومداده .. ضوء القمر

هو ينتظر .. هي تنتظر
وهج الحنين المستعر
والفارس الهمجي أجهده السفر

هي ألبسته الحب تاجا من درر
هي ألهمته الشعر روحا فابتكر
هي أجمل الأوقات .. في زمن عبر
هي أركبته البحر دون قوارب
يخشي الغرق .. يخشى الخطر
ويراقب الشط البعيد المندثر
ويخايل الضوء الشفيف المنكسر
قد هدهد الأحلام .. في جوف السحر
أوَتجرح الأشواق ما يوما ستر !

هو ينتظر .. هي تنتظر
وهج الحنين المستعر

ونسائل الأيام أين المستقر ؟
الحكم ماذا ؟ الحكم ما قال القـــــدر
والآن بعد تساقط الأوراق من كف الشجر
والوقت يقطف ما تبقى من ثمر
هل ينتصر من ينتظر
وهج الحنين
المستعر


30‏/9‏/2007

الحتمية العمرية للزواج


بحث بدأت الإعداد له منذ فترة ليست بالقصيرة ، على أمل أن يكون أول ضربة بفأسي على أصنام المجتمع ، ولكن يبدو أن الصنم الذي كنت بصدده هذه المرة كان أقوى من ضربتي المتواضعة ، والتي قررت أن أضعها بين أيديكم علها تتقوى بمن هو أجدر مني على حمل الفأس .
البحث مكون من ثلاثة فصول ومقدمة ، بعنوان : بين التعقيد والتقعيد ( الحتمية العمرية في الزواج )
تتناول ماهية البحث ، والحقل المعرفي الذي ينتمي إليه ، لما لذلك من أهمية في فهم طريقة العرض


الفصل الأول : الظرف التاريخي

يخلص هذا الفصل إلى القول بأن السبب في تأخر سن الزواج للجنسين ثم اقترابه بينهما يرجع لاختلاف مؤهلات الزواج في الحاضر عن الماضي ، حيث استطاعت نظم التعليم المختلفة أن تربط الشاب حتى التخرج ، ثم يلزم منه أربع سنوات أخرى على الأقل لتكوين رأس مال الزواج ، أما الفتاة فتأخرت إلى التخرج فقط، وبما إن بعض الشباب استطاعوا أن يكسروا القيد ويجعلوا سنوات الدراسة ، هي أيضا سنوات تكوين رأس مال الزواج ، فإنهم يتأهلون للزواج في نفس السنة التي تتأهل فيها الفتيات اجتماعيا ، وهنا تبرز القضية ... التفاصيل


الفصل الثاني : مناقشة المشكلة

يهدف هذا الفصل إلى إبراء ذمم كل من ( الدين والعلم والتجارب) ، من تهمة التأصيل لمبدأ حتمية وجود فارق سني بين الزوج والزوجة ولو حتى من منطلق الأفضل والأحسن ، ويتم سوق الأدلة في كل مجال من مصادره الأصلية ، فأدلة الدين من الكتاب والسنة ، وأدلة العلم من علمي الاجتماع والنفس ، وأدلة التجارب من التاريخ البشري بعيده وقريبه ... التفاصيل


الفصل الثالث : العرف بين الصلاح والاصطلاح

يهدف هذا الفصل إلى تسليط الضوء على تعامل العرف مع هذه المسألة وشبيهاتها ، في محاولة لفهم كيف يتأثر المجتمع أو يؤثر في هذا العرف ، عارضا رأي الدين تجاه العرف ، ثم كيفية تطبق نظرية " ما يصلح عليه الناس ، وما يصطلح عليه الناس " في هذه المسألة بالذات ، ويختتم بمحاولة إيجاد عرف بديل له جذوره العميقة ، وله أيضا وجاهته الحضارية ، بالإضافة إلى واقعيته ... التفاصيل

16‏/9‏/2007

الإساءة مجددا

للعام الثاني على التوالي تطالعنا الصحافة والإعلام الغربي بالإسائة العلنية والمباشرة ، لشخص الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، العام الماضي كانت الدنمارك ، وتبعتها فرنسا ، وهذا العام السويد ، والتي لم تفتأ منذ أن نشرت نفس أفكار العام الماضي ، أن تردد لا يمكننا الاعتذار ، وعندما توهمت بعض الصحف نبرة الاعتذار على لسان دبلوماسييهم سواء في السعودية أو باكستان ، حتى سارعت الحكومة بنفي هذا الفهم الخاطيء ... لا لم ، ولن نعتذر ، نعم إننا آسفون ، آسفون حقا .. آسفون على عدم تقبل المسلمين الإسائة بروح حضارية ! هذا ما قالوه في تصريحاتهم فعلا

وبهذه المناسبة أحب أن أعيد نشر رسالة لي في أحداث العام الماضي ، تضع أيدينا على جانب خفى من الموضوع لم أر أحدا تكلم عنه قط
_______________________________________________________

لنعلم من أين نؤتى



في سبتمبر الماضي سمحت صحيفة " جيلاندز بوستن " الدنمركية بنشر 12 رسما كاريكاتوريا مسيئة للرسول " صلى الله عليه وسلم " ومن قبلها النرويج ، وعندما قامت الجالية المسلمة بالدنمارك باستنهاض العالم الإسلامي ، قامت بعض الدول الإسلامية بقطع علاقاتها الدبلوماسية ، وبعضها قام بمقاطعات اقتصادية رسمية ، أو شعبية ، والبعض لاذ بالصمت ، ولكن الحكومة الدنماركية استغاثت بدول الاتحاد الأوروبي ، التي أعلنت رفضها لتعامل دول العالم الإسلامي مع القضية التي يعتبرونها " حرية رأي " حتى أعيد نشر الصور في صحف دول أوربية أخرى مثل ألمانيا ، وفرنسا .

ونحن هنا نحاول تقييم موقف هذا العالم الغربي ، لا من منظور الشرع – فهو معلوم لكل مسلم غيور على دينه ونبيه ، ولكننا سنقيم أفعالهم ومواقفهم بمعايير مفكرين منهم وعلماء وسياسيين ، لهم ثقل لا يمكن تجاهله على كافة المستويات ، بداية من موقفهم من شخص رسول الله نفسه ، إلى رأيهم الأخلاقي والقانوني من دعوى " حرية الرأي " تطبيقا على مثل هذه الوقائع ، إلى موقفهم من سلاح المقاطعة الذي أزعجهم ، فقاموا بمهاجمته على الرغم من إعتماده عندهم في كافة الخلافات .



أولا : موقفهم من شخص النبي صلى الله عليه وسلم

يقول أديب فرنسا الشهير لامارتين ( La Martine ) معترفا بعظمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ونجاحه منقطع النظير في مهمته الجليلة " إن إنسانا لم ينهض أبدا – متطوعا أو غير متطوع – لمثل هذا الهدف الأسمى ؛ لأن الهدف كان فوق طاقة البشر ، لقد كان تحطيم تلك الحواجز من الأوهام والأحلام – والكلام له – التي حالت بين الإنسان وخالقه ، والأخذ بيد الإنسان إلى عتبة ربه ، وتحقيق عقيدة التوحيد النقية المعقولة الساطعة ، في ضباب هذه الوثنية السائدة ، والآلهة المادية ، إنه لم يحمل إنسان مثل هذه المسئولية الضخمة ، والمهمة الجليلة العظيمة التي تخرج عن طوق البشر ، بمثل هذه الوسائل الضئيلة " .

إلى أن قال : " لقد كان إخضاع ثلثي العالم لهذه العقيدة الجديدة من مآثره بلا ريب ، ولكن الأصح أنه كان كان معجزة العقل ، لا معجزة فرد واحد ، إن الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت فيه الدنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها ، كانت معجزة مستقلة بذاتها ، وما لبث محمد أن أعلن هذه العقيدة أمام الملأ ، حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها ، فلا داع فيها ولا مجيب ، وتكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان "

أما جون دريبر ( John Draper ) في كتابه " تاريخ أوربا الفكري والعلمي " : " لقد اجتمعت في محمد من الخلال والصفات التي غيرت مصائر الشعوب والأمم ، والحكومات والدول ، إنه أكد على الحقائق الثابتة الدائمة ، بدلا من الخوض في بحوث ما وراء الطبيعة ، ونذر نفسه عن طريق العناية ، والأمر بالنظافة والطهرة والجد ، والصوم والصلاة ، لترقية الحياة الاجتماعية .

ويؤكد هذا الموقف المنصف من أدبائهم ومؤرخيهم وكتابهم ، أن توماس كاريل
( Thomas Cariyl ) قبل مائتي سنة اختار محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) من بين الأنبياء جميعا كبطل أعظم ، والآن في آخر القرن العشرين وضع مايكل هارت (Michael H.hart ) اسم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) برأس القائمة لأسماء أولئك العظماء الذين تركوا آثار عظيمة في تاريخ العالم البشري " .

فكل من يتجاهل هذه الحقائق والشهادات من كبار رجالاتهم ، إنما يكذب على نفسه وأمته ، قبل أن يكذب على العالم .



ثانيا : موقفهم الأخلاقي من نشر هذه الأفكار

ونقدم هنا مقتطفا من مقال أحد الباحثين الكتاب وهو الأستاذ وليم هـ. داويدسن ( William H.Davidson ) في " موسوعة الأخلاق والديانات " يقول :
" إن أكبر مظاهر التسفل الخلقي ، واللؤم الفطري ، وموت الضمير ، وحمل الخزي والعار ، والحرمان من أي أثر من آثار الشرف الإنساني حتى الرمق الأخير منه ، هو : التنكر والجحود للقادة الدينيين ، وبناة الإنسانية ، وأصحاب المنة والفضل على العالم كله ، والبلادة في القول ، وسلاطة اللسان ، واستخدام الأسلوب الشائن المزري بأهله الذي لا يليق بأدنى شخص ، وبأرذل إنسان ، والذي لا يجرح مئات الملايين من البشر من أتباعهم ومحبيهم المستميتين دونهم والذين يؤثرونهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، ولا يكلم عواطفهم الجياشة فحسب ، بل يقتل الحقائق ، ويذر الرماد في العيون ، ويحاول طمس الواقع ، ولا يجوز لأي مجتمع كريم يعرف قيمته ومكانته ، ولا لأي بلد متحضر لا يريد العيش في الجهل ونكران للجميل ، أن يصبر على وجود هؤلاء الأنذال واللؤماء الذين باعوا ضمائرهم ، وتخلوا عن إنسانيتهم ، وتنكروا للجميل والمعروف ، إنهم رجس يجب أن تتطهر الأرض منهم "
وهنا لم يكتف الكاتب بتحقير هؤلاء المسيئين للأديان وتسفيههم ، بل طالب بلادهم – والتي هي بلاده – بتشديد العقوبات عليهم إلى حد النفي .

وفي الاحتفال برأس السنة الهجرية ( 1427 ) في فيينا الذي دعا إليه ميخائيل هوبيل عمدة العاصمة النمساوية قال : " إن مانشر في هذه الصحيفة يتنافى مع الاحترام الذي من المفترض أن يلقاه كل دين ، فنحن لا نقبل الإسائة إلى الرموز الدينية ، أو إلى قيم أي دين "
فهاهم ساستهم يعترقون بأن هذا العمل لا أخلاقي ، ولا يستحق فاعله فردا أو جماعة ، الحياة على وجه الأرض .

ثالثا : موقفهم القانوني من دعوى حرية الرأي


عندما أعادت الصحيفة الفرنسية " فرانس سوار " نشر الرسوم المسيئة ، اعتبرت بكل تبجح أن هذا حقها في " حرية التعبير " ولكن الواقع أن عددا غير قليل من كبار المفكرين ، وفقهاء القانون الغربيين لم يعترفوا بحرية الرأي المطلقة العامة ، وأشاروا إلى نتائج هذه الحرية المطلقة ، والتي هي أشد ضررا وأكبر خطرا من سلب الرأي بتاتا .
ومن هؤلاء أحد رجال القانون المعروفين ويليام ايبسنتن ( William Ebenstsin ) يقول : " إن الاحتجاج ضد الرقابة الخلقية أو القوانين المتعلقة بالأخلاق الشخصية بناء على أنها قيود لا تطلق على حرية الفرد الشخصية – يعني الدفاع عن هذه القوانين وحمايتها ، إنها حاجات غير ملزمة ، أو أن قضاء هذه الحالات لا يمكن إلا بالتضحية بتلك المثل التي هي أعلى وأفضل من الحرية الشخصية ، والتي تكفل بقضاء حاجات البشرية العميقة الدقيقة ، إنها القيم العليا التي هي ليست داخلية ، بل تحمل أهمية موضوعية " .

ويضيف متحدثا عن ماهية الحرية : " أما إنه ما هي حدود حرية الفرد أو بعض الأفراد ، فهي قضية تعتمد على مقارنة دقيقة بين الإطار الذي يريدونه لحريتهم ، وبين مقتضيات القيم والمثل العليا كالمساواة ، والعدل ، والسلام ، والحفاظ على حقوق الناس ، ولذلك لا يمكن أن تبقى هذه الحرية مطلقة من القيود " .

وفي الخطاب الذي يعتبر أساسا لقانون حرية الرأي بالولايات المتحدة يقول بلاك استون ( Black Stone ) منبها على قضية " حرية الرأي " في الصحافة خصوصا : " إن كل فرد حر له الحق الشرعي في أن يبدي عواطفه أمام الجمهور ، وإن فرض الحظر عليه قضاء على حرية الصحافة ، ولكنه إذا أراد أن ينشر شيئا غير لائق ، يثير فتنة ، أو يخالف القانون ، فإنه يتحمل وزر مسؤوليته ، ولأن الكتابات الخطيرة الإجرامية التي تعتبر بعد مرافعة محايدة منصفة ذات ضرر وخسارة يلزم المعاقبة والتعذير عليها للحفاظ على الأمن والسلام ، والسلطة والديانة ، لأنها هي الأسس الذي تقوم عليه الحرية المدنية ، فضمير الفرد الحر ، مكفولة له الحرية ، ولكن التعذير على استخدامها السيء من أهداف القوانين الجنائية " .


رابعا : موقفهم من سلاح المقاطعة

اتهم بعض القادة والساسة الأوربيين أن مقاطعة الدول الإسلامية تعتبر غير مشروعة أو قانونية ، ولكننا نجد أن هذا السلاح يستخدمونه فيما بينهم على أبسط الخلاقات السياسية ، فعندما قامت الحرب الأمريكية الغاشمة على العراق ، قامت الدول الأوربية بمعارضة أمريكا في هذا القرار فما كان من الشعب الأمريكي إلا أن اختار سلاح المقاطعة ، ردا على هذا الموقف ، فيما يُظهر الاستطلاع الذي نُشر من أن 43% من الأمريكيين سيقاطعون المنتجات الفرنسية ، في حين قال 36% إنهم سيقاطعون السلع الألمانية !

ويستخدمونه أيضا ضد أي دولة تتقاطع مصالحها مع مصالحهم خاصة من منطقتنا وفي هذا الصدد يصرح عمر الراوي ( عضو برلمان فيينا عن الحزب الاجتماعي النمساوي ومفوض ملف الاندماج بالهيئة الدينية الإسلامية بالنمسا ) : " إن سلاح مقاطعة بضائع الدول التي تسيء صحافتها للنبي شيء عادي ومشروع ، فالولايات المتحدة نفسها تتعامل بهذا المنطق مع إيران ، وسبق أن استخدمته مع العراق ؛ لذا فمن حق الشارع المسلم أن يغضب لنبيه ، وهذا أقل ما يجب فعله " .

الدنمارك في ميزان التاريخ :

قد يُتفهم موقف شعب معين ذو حضارة وتاريخ من قضية مهمة أو شخص مهم لشعب ذو ثقافة مغايرة ، ولكن لا يتفهم موقف شعب لم تهذبه الحضارة والثقافة في تاريخه إلا لماما ، من أفكار وأشخاص شعب له ماض وحضارة ودين ، ضاربة في أعماق التاريخ .

" وإن الناظر في تاريخ الدنمارك يجد أن هذه البلاد الصغيرة البعيدة اشتهرت قديما بالقرصنة واللصوصية ، فقد كان القراصنة الدنماركيون يجوبون البلدان الإسلامية المطلة على المحيط الأطلسي ، والبحر المتوسط ، فيغيرون ، ويسرقون ، وينهبون ، ويهربون ، وقد كانوا فيهم كثرة من أهل الخسة والخبث ، ولهم باع طويل في الخراب والفساد ، وكتاب " سير أعلام النبلاء " يظهر الكثير من أخبارهم ، وما فيها من الشناعة ، والغدر ، والخيانة ، والخبث ، والفساد " .

وأخيرا :

فليس أمامنا – في الوقت الراهن – سلاح أقوى من المقاطعة ، هذا السلاح الذي قد يستهين به كثير من الناس ، أثبت فعاليته على مر التاريخ ، حيث استخدمته الهند ضد البضائع الإنجليزية لنيل استقلالها ، وأمريكا نفسها استخدمته عند الاستقلال ضد الإنجليز أيضا عام 1765 في قانونهم المعروف بقانون الطوابع

وقد أثبتت مؤخرا المقاطعة العربية للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية – أثبتت نجاحها منقطع النظير ، فيما يصدره مكتب المقاطعة العربية من إحصائيات تقدر حجم الخسارة الإسرائيلية بأكثر من 92 مليار دولار ، بينما اعترف اتحاد غرف التجارة الإسرائيلية أن المقاطعة تسببت في خسائر كبيرة مقدارها 45 مليار دولار على مدار 45 سنة ، منها 20 مليار قيمة الصادرات الإسرائيلية المتوقعة للأسواق العربية ، و25 مليار عوائد الاستثمارات الإسرائيلية في الأسواق العربية خلال الفترة نفسها .

وقد نشرت جريدة الحياة اللندنية في ( 28 / شعبان / 1421 هـ ) أن خسائر شركات التكنولوجيا اليهودية في الولايات المتحدة ، بلغت منذ بداية الانتفاضة عشرين مليار دولار
.


المصــادر :

- " محمد الرسول الأعظم وصاحب المنة الكبرى على العالم " – أبو الحسن الندوي – دار الصحوة .
- " المقاطعة أضعف الإيمان " – عمرو عبد الكريم .
- موقع إسلام أون لاين .موقع الشيخ الألباني .