10‏/3‏/2012

فلول أمن الدولة العربى !

३/8/2011

مرهقا أنتظر ختما أخيرا على جوازى من موظف بدأ يبدى بعض علامات العجب عندما ضرب حروف اسمى على جهازه .. أبادره : هل من مشكلة ؟

- لا أبدا المشكلة من عندى على الجهاز .

يتريث قليلا ثم يختم بالفعل على الجواز ختما للدخول وتحته ختما للخروج فى آن .. ينظر مرة أخرى قبل أن يضغط على زر الإدخال فى حاسبوه ثم يتوقف فى اللحظة الأخيرة .. ينادى على زميل له فى العمل .. يتطلع فى الشاشة المحجوبة عنى ويبدى بعض علامات الدهشة هو الآخر .

يتبادلان بعض النظرات من باب "لا مشكلة" ، فيرد الآخر بنظره من باب "على مسئوليتك" فيكر الآخر بنظرة ختامية "لن أتحملها" .. وحينها يتوجه زميله بجوازى إلى مكتب مغطى زجاجه بأوراق داكنه فى الجهة المقابلة ويبتسم الأول فى وجهى ، عذرا سنتظر لدقائق .

"دقائق الانتظار املأها بالاستغفار" أطالع الملصق المستطيل المشهور الموضوع على زجاج الشباك الزجاجى الذى يحيل بينى وبين الموظف الذى أخذ يتقى نظراتى ، يرتد بصرى فجأة لأتأمل ملصقا بجواره مشابها طبعت عليه جملتان حسبتهما حديثا أو آية قرآنية كالعادة ، هى بين علامتى تنصيص كالعادة ، لكن يبدو أنها مقولة لأحدهم :

" انتهى عهد التخريب .. وإن عدتم عدنا ، وستكون عودتنا أقوى " .. وتحتها كتب اسم القائل : حمد آل الخليفة .. نظرت إلى الاسم وبدأت أطابقه بعشرات الملصقات الأكبر والأصغر التى ما زالت تصافح عينى منذ وصولى للمطار وعليها عبارات شبه موحده "كلنا فداك خليفة" "حمد كلنا فداك" وصورا لأخينا فى كل الأعمار ، وأحيانا يضعون معه صور أخيه فى الرضاعة العاهل السعودى فأزداد اتشاحا عن المنظر .. زورت فى نفسى الحمد لله الذى عافانا ..

دقائق وبرز لى من المكتب الذى أمامنا شاب ثلاثينى يلبس "الدشداشة" والعقال ويبتسم فى وجهى البتسامة عرفتها من النظرة الأولى ، وبدأ يسأل أسئلته المتوقعة :

حمد أليس كذلك ؟

- نعم .

- من وين جاى يا أحمد ؟

- (ما هو مكتوب عندك يا متخلف) من كوالالمبور سيدى .

- أحمد شنو بشتغل ؟

- (وانت مال أهلك) أعمل فى مجال الأفلام الوثائقية يا فندم .

- أخذ يتأمل فى الإجابة كمن فهم شيئا ثم ختم بنفس الابتسامة الصفراء ودخل المكتب ثانية .

كان صديقى الغزاوى وليد قد أنهى إجراءاته وينتظرنى ، أقتربت منه أسر إليه : يبدو أن هذه المرة أنا من سيعطلك لا أنت ، سنكون متساويان الآن مرة أنت ومرة أنا .

- ضحك وأردف : ما الأمر

- لا يمكننى أن أخطأ هؤلاء ، هذا رجل من أمن الدولة ، أو أيا يكن اسم هذا الجهاز اللعين هنا .

- أويعقل ، وكيف تصلهم معلومات عنك .. هل أوقفت فى مطار القاهرة وأنت قادم ؟

- بالطبع لا ، ولم أتوقع الأمر هنا مطلقا ، ولكن يدبوا أنهم لم يسمعوا بالثورة بعد ، وإنا لمسمعوهم يوما .

خرج الرجل السمج من المكتب مرة ثانية أوصل جوازى إلى الشباك وطلب منى استلامه من هناك ، وقفت أمام الموظف .. أخرج قلما وأخذ يشطب على الختمين ويكتب على كل منهما بحروف عربية ناصعة "ملغى" .. "ملغى" .. ويكاد القلم يستحى عبره من ختمين مجاورين مكتوب عليهما بحروف لاتينية "مرحبا" "مع السلامة" ، لم أستغرق سوى ثوان أمام موظفة ماليزية محجبة حتى حصلت عليهما .. يتقى نظراتى مرة أخرى ويسلمنى الجواز ، عفوا اذهب مرة أخرى للمكتب السابق وسخبرونك بالوضع الجديد

نطقت عنه فى صمت : عفوا أنت ممنوع من دخول دولة البحرين حتى لو كانت الزيارة لا تتعدى عشر ساعات .. عفوا دولتنا وكياننا أضعف من أن يتحمل وجودك الصورى على أراضيه .. عفوا إننا ملتزمون بسنن الله فى الأرض "أخرجوا آل لوط من قرتكم إنهم أناس يتطهرون"

استعرت ابتسامة صاحبنا السمج ورددت : فلا عبرت بى ساعة لا تعزنى ॥ ولا صحبتى مهجة تقبل الظلما ॥والشرف لى سيدى ألا أطأ بلادكم المحتلة وأنا الحر الثائر أبدا ..

توجهت لموظف الشركة مرة أخرى ، اعتذر لى بحرارة ، وسلمنى صكا بوجبتى غذاء وإفطار فى هذا "الترانزيت" الذى يستغرف عشر ساعات قبل وصول طائرتنا الأخرى إلى المطار ، سلمته الأوراق الخاصة بالمبيت لليلة واحدة فى أحد فنادق المنامة وأنا بنفس الابتسامة المستعارة .

توجهت لقاعة الوصول أتدبر أمرى ، اتصلت بأهلى أطمأنهم على كما وعدتهم ، تبسمت نبرة أبى عندما أخبرته بما حدث وقال : تحيا الوحدة العربية .

صدقت يا أبى .. تحيا الوحدة العربية ، الوحدة العربية التى بنت أنظمتها الفاسدة بلبات مختلفة لكنها ربطتها برباط واحد للدرجة التى عندما أستجوب فيها بضعة أيام فى القاهرة على جريمة دخولى إلى غزة خمسة أيام ، دون أية محاكمة أو أية عقوبة ، تسمع بالنبأ دولة خليجية ، فتضعه على أجهزة دولتها الرسمية ، وإن سمعت به الخليج فأولى بالسماع السعودية وسوريا والجزائر والأردن ، إنها الوحدة العربية .

إنكم تخدموننا بهذا الرباط الوثيق ، ونعم إن تخوفكم فى محله ، فإن بلدا تقع لهى نذير بسقوط الكل ، الكل لا محالة ، وأنتم أولى بهذا يا أكشاك الخليج ، أنتم مجرد أكشاك على الخليج العربى ، ولن ينفعكم درعكم ولا مجلسكم إذا دار دوركم ، ووالله إنى لأؤيد الثورة حتى لو قام بها شيعة ، حتى لو قام بها الفلبينيين فى أرضكم ، وإن دولة كافرة عادلة ، هى أقوم – كما قال ابن تيمية – من دولة مسلمة ظالمة ، فإن الأولى تضمن حرية الدعوة للإسلام فيرتجى من أصلابهم خيرا ، والأخيرة تفتن المسلمين فى دينهم ، وتصد الكافرين عن الإسلام بظلمها .

صبرا أيتها الممالك وصبرا يا بلاد الحجاز ، فأنت من الآن بلاد الحجاز لا ما تسمونه "السعودية" أى اسم هذا يعل فى الأرض ويتجبر حتى يسمى أرضا وشعبا باسمه ، فإن أشرف البشر لم تقم له دولة "محمدية" ولم يتجنس قوم باسمه الكريم فكيف أنتم ، ووالله لقد رأيت فتوة بلاد الحجاز القادمة فى فتية وفتيات أربأ بنفسى أن أدعوهم سعوديين وسعوديات ، هم حجازيون سيضربون اللحن الأخير فى معزوفة ثوراتنا .. والله الوكيل .

نزلت إلى المسجد تضطرم فى رأسى هذه الأفكار ، أحمد الله أن الموقف بعث أحاسيسى الثورية من جديد ، ما زال الطريق الثورى طويلا ، بخ بخ يا ثوار ، صليت المغرب والعشاء ، يالله إنها أول ليلة من رمضان .. نظرت إلى الوجوه العربية والمسلمة من حولى ، وجوه ماليزية وأفغانية وهندية وخليجية وعراقية وشامية ، دعوت الله أن ينظر لنا نظرة فيرحمنا ويزيل بنا حكاما أنجاسا مرتكسين .

أفترش ثلاث كراسى متجاورة وأتوسد حقيبة كتفى ، وأتقلب من برودة المكيف وأحاول أن أنام سويعات تدفع عن بدنى هجوم دور البرد الذى بدأ يفترسه حتى طلعت الشمس ولم أفق إلا على النداء : يعلن طيران الخليج عن قيام رحلته رقم 71 إلى القاهرة ، على جميع الركاب التوجه إلى بوابة 32 .

قمت وصليت ركتى الضحى واتجهت نحو البوابة أجد وليدا فى انتظارى يشتملنى بنظرات يحاول بها التخفيف عن وطء ليلتى .. بادرته : لم يكن الأمر سيئا ، على الأقل ليس بالسوء الذى كنت تواجهونه على معابرنا قبل الثورة .

- ضحك ضحكة خفيفة : وأنت الصادق ، وبعد الثورة أيضا .

- نظرت فى دهشة ، أستنطقه .

- ألا تعلم أن اثنين من غزة كانا معى وتم رفض عبورهما على الأراضى المصرية ، ومن ثم سفرهما إلى ماليزيا لأن اسمهما على الكشوفات الأمنية .

تيبس الدم فى عروقى ، بهت للحظات ، انطلقت الكلمات كسيفة أسيرة فى فمى : أجل صاحبى ، تهمتنا واحدة "غزة" تهمتكم أنكم من غزة فلا تطيقكم مصر ساعات عابرة ، وتهمتى أننى ذهبت إلى غزة فلا تطيقنى البحرين ساعات عابرة ، وما غزة إلا خروجا عن النظام العربى ، وما غزة إلا دولة واحدة وحيدة بلا جهاز أمن للدولة ، لا والله إنه جهاز رعب الدولة ، رعب كل دويلة من هؤلاء من أمثالنا ، من ثورتنا التى لن تبقى ولن تذر فصبرا .

ثلاث ساعات وكنا فى مطار القاهرة ، ملأت الاستمارة المصرية للعبور ، وملأ وليد استمارة عفوا "أجنبية" مررت فى ثوان وانتظرته من خلف فاصل حديدى ، نظر الضابط فى جوازه وأشار إليه بالانتظار .

انتظر قليلا ثم خرج رجل يبسم ابتسامة سمجة من مكتب فى الجهة المقابلة مغطى زجاجه بأوراق داكنة ، سلم عليه ورأيت شفتاه من بعيد تنطق بلسان عربى مبين من أين أتيت يا وليد .. ماذا تعمل ؟ لكنها لم تكن أسئلة كافية ، ولم يكن لسان وليد العربى أيضا لسانا شافيا ، اصطحبه معة إلى دهليز يطل على المكتب واختفيا .

انتهت إجراءاتى ، تسلمت حقائبى ، لم يظهر وليد ، ولا الرجل السمج الذى أخذ بيده ، سألت آخرين على باب الردهة ، أبحث عن صديق فلسطينى ، نظروا لى بريبة أشاروا لى بالدخول دخلت فى الردهة الطويلة ، وفجأة أغمضت عينيى وأخذت أتذكر ردهة مشابهة فى مبنى "لاظوغلى" معصب العينين أمضى وأمر على أضواء خافتة تنبعث من المكتاب مكتبا تلو الآخر وبشر يجلسون القرفصاء منكسوا الرؤوس ، فتحت عيناى على أحدهم هناك يجلس القرفصاء منكس الرأس .. ارتبكت قدماى وكدت أسقط ، سألت أحدهم مرة أخرى : فلسطينيى أحبث أنا .. لا ترهق نفسك سيتم ترحيله على بلاده .. امض أنت

مضيت على دقات أهلى الهاتفية يستحثوننى للخروج .. مضيت ومكث الفلسطينى .. مكث وأتى اليوم قبل ساعات ليخبرنى أنه لم يمض فى مطار القاهرة عشر ساعات بلا مأوى ، بل أمضى اثنين وعشرين ساعة بلا مأوى بعدما حقق معه .. ثم رحل عبر المعبر ..

هتفت هتاف أبى "تحيا الوحدة العربية" هتفت صبرا فلول أمن الدولة المصرى والخليجى ، يوما ما سيكون تجوالنا فى بلادنا أيسر من الثوانى التى انتظرناها على شباك جوازات ماليزيا ، ماليزيا البلد التى لا توحدنا بها جغرافيا ولا لغة ولا تاريخ وكان هذا مثالها معنا .. صبرا إن موعكم جيلنا .. أليس عهد جيلنا بقريب ..

8‏/3‏/2012

الإنسان .. والعَلاقة !

ما الإنسان ، الإنسان هو ذلك الكائن الربانى - مهما شابته الشوائب وغلبت عليه – الذى خلقه الله بإبداع فى مفرده ، وإبداع أعقد وأعجز فى مجموعه ، إذ اختلاف ألوان البشر وأشكالهم ليس أكثر إبهارا من اختلاف نفوسهم وعقولهم وقلوبهم ، التى لا يملكها جميعا إلاه ، ولا يملك بعضا منها إلا من أعطاه الله بعض أسباب ائتلافها "لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" .

وما العلاقة ، العلاقة هى روابط منفصلة عن الإنسان مقدرة كجميع أقداره ، لكن منها ما جعله الله جبرا ظاهرا عليه كالأب والأم والابن والأشقاء وكل ما تفرع من صلات قرابة ، ومنها ما جعله الله خيارا له ، بداية من أعقدها على الإطلاق "الزواج" إلى كافة أشكال العلاقات على وجه الأرض صداقات ومنافع وتعلم وجيرة وعشيرة .. إلخ .

وإذن فهناك من العلاقات ما لن تستطيع أن تفصلها عن الإنسان ولا بموته حتى وهى العلاقات الجبرية ، وفى المقابل منها ما ننشؤه بإرادتنا ونقطع دابره بإرادتنا أيضا ، قد تساعدنا الظروف فى هذا أو تساعد علينا ، لكن فى كل الأحوال غالبا ما يعلق مصير العلاقة على قرار الإنسان نفسه .

وإذا كان الإنسان قد خلقه الله فردا وسيحاسبه فراد ، فإن العلاقة خلقها الله – فهى مخلوقة أيضا بقدره وحوله – أعقد من ذلك ، خلقها زوجين (أعنى طرفين) أو أكثر ، ورتب حقوقها وواجباتها على كلا الطرفين ، ولم يستثن الله إنسانا فى الكون دون أن يرتب له "علاقة" مع الإنسان الآخر لها حقوق وواجبات ، مهما كانت ماهية هذا الإنسان ، ولعمرى فإن آية فى القرآن أراها جمعت نوعين من العلاقات أعقدها وأبسطها وهى قوله سبحانه : "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" ، فابتدار الذهن عند من الله علينا بخلقنا ذكرا وأنثى هى تلك العلاقة الشرعية بينهما الحافظة للخلق والموصلة للخالق ، ثم تشعيب العلاقات بعد الذكر والأنثى إلى الشعوب والقبائل وبينها ما بينها من البون الشاسع والاختلاف الهائل لا يفضى إلى انعدام أى علاقة بالكلية ، بل يوجب أن تكون هناك بحد أدنى علاقة "التعارف" ، والتى لو تأملنا فيها وجدناها بداية للكثير من العلاقات بين الزوجين (بداية الآية) فى كثير مما يقع بين الناس .

والعلاقات هى فى الأصل نوع من التواصل بسبب ما ، فالإنسان الذى لم أتواصل معه بأى شكل كان ، والذى يعيش فى ركن ما من أركان المعمورة ، لم أره ولم أسمعه ولم أكاتبه ، فقطعا لن تكون ثمة علاقة بيننا ، والإنسان الذى قابلته مرة أو مرات ثم انقطعت بيننا السبل – وهو حى – بسفر ونحوه تبقى علاقتى به رهن بأسباب الوصل بينى وبينه ، ولذا فإن فى الأزمان الغابرة كان السفر والترحال وسوء الاتصال يفقد المرء علاقات كثيرة لو دام معها الاتصال لأنتجت خيرا كثيرا ، وهو ما انتفى فى عصرنا هذا ، إذ لم يعد هناك من تخشى أن تفقده فى هذا العالم شديد التشابك ، وبالتالى فإن المسئولية تجاه العلاقات صارت أوثق بكل المعانى .

ولكن ما دامت الأمور بهذا الوضوح فما المشكل إذن فى الأمر ، ولم يخسر بعض الناس بسبب علاقاتهم التى جعلها الله سبيلا لحياة أفضل ، ولم تنتج بعض العلاقات السلبية من العداوة والقطيعة والتخاصم والتحاسد – وكلها علاقات – فى غير موضعها ، لأنها موجهة لأناس لا يحق فيهم هذا بموجبات كثيرة سنها الله لخلقه ونظمها بين عبيده !

إذا عدنا إلى طرفى المعادلة نجد أنه يصح الابتداء من أيهما ، فقد يقابل الإنسان شخصا ما يتعرف عليه بقدر ما ، دون أن تكون هناك أى نية مبيتة لعلاقة محددة تعقب هذا التعارف ، ويظل كلاهما يتعمق فى الآخر ويكتشف مدى القرب والانسجام ، فيقرر أحدهما (أو كلاهما) ساعتها أن يحدد ملامح علاقة ما بينهما ، فنرى أنه يشاركه فى تجارة أو علم أو نسب .. إلخ ، وقد يحدث العكس عندما يتقابل شخصان وأحدهما أو كلاهما يعقد النية على علاقة معينة محددة من قبل ، كأن أذهب لمقابلة فى شركة فأتعرف على الشخص الذى يجرى معى المقابلة ، أو أذهب إلى محاضرة وأقيم علاقة مع المحاضر ، فتكون هذه العلاقات محددة سلفا وقد تتطور وتنتقل إلى الإنسان ذاته ، وقد لا تتطور وتقف على حد العلاقة نفسها دون الإنسان .

ففى الوجه الأول من التعارف أنت تقدر الإنسان لذاته ، فيدفعك تقديرك وإكبارك له إلى أن تتشاركا معا فى سبل الحياة عبر تلك العلاقات التى كلما زادت كلما تصاحبتما وتدانيتما أكثر ، وفى الوجه الثانى أنت تقضى حاجاتك أولا ثم تنظر لما وراء تلك العلاقة من الإنسان هل يستحق بذاته أن يقترب من نفسك أكثر ، أم أن دوره سيقتصر على تلك العلاقة متى تنتهى ينتهى معها .

والناس يخلطون كثيرا فى الوجه الأول بين الإنسان الذى عرفوه ولم يتغير ، وبين العلاقة التى أنشئوها وقد تتغير وتتبدل ، فترى الصاحب يجافى صاحبه إذا تشاركا فى تجارة وخسرت ، وترى الزوجين يتحولان إلى أعداء إذا انفصلا ، وترى أى طالب لفتاة كمن يطلب الملك ، إما أن يفوز فإلى الصدر وإما أن يخفق فإلى القبر .

وما ذلك إلا أنهم قد أغشاهم عالم العلاقات المرتبط بعالم الأشياء المادية عن عالم الأشخاص المرتبط بعالم الأفكار والمشاعر المعنوية ، فهل صاحبك الذى فشلت معه تجارتك تغير فى ذاته ، هل كان صاحب خلق فتخلى عنه ، أو صاحب علم فبار لديه ، وهل خاطبك أيتها الفتاة كان طيبا خلوقا طالما عرفتيه وسمعت عنه من بعيد حتى إذا ساقه حظه التعس إلى القرار بطلب علاقة بينكما ، ولم يكتب للعلاقة التوفيق ، كتب للإنسان نفسه ذات المصير ، وهو على حاله وأنت على حالك من التشارك فى دروب الحياة التى يتشارك الناس فيها لنفع الأمة وعمارة الأرض ، فإن لم يكن خطؤكم فى حق هؤلاء أن يظلوا محتفظين بمكانتهم الإنسانية عندكم ، فحق الأمة ألا تحرم نفع تلك العلاقات وأثرها فى المجتمع بأسره .

والناس أيضا تخلط فى الوجه الثانى من العلاقات ، فيطالبون أحيانا كل من يكون بينك وبينه علاقة محددة سلفا أن يكون أكيلك وشريبك وجليسك ، وقد لا ترى فى هذا الإنسان أن يأخذ فى نفسك تلك المنزلة وهذا حقك ، ولو شاكك حتى نصف وقتك فى الحياة فكان زميلك فى العمل أو فى الدراسة الذى تمكث معه جل النهار ، ولكن من فرض أن الذى يبدأ بالفرع حتما سيصل إلى الأصل ؟ ، ليس صحيحا ، فقد تقتضى الحاجة فى "العلاقة" وليس شرطا أن تقتضيها فى "الإنسان" ، والذين يخلطون أيضا فى هذا الوجه يكتشفون بعد الفوت أنه غمى عليهم ، وأن من أدنوه من أنفسهم لم يكن يستحق هذا ، وأنه أغراهم علاقاتهم به الظاهرة والمؤقتة .

وأصدق ما يروى فى هذا هو موقف عمر بن الخطاب من قاتل أخيه فى معركة اليمامة ، فقد أسلم الرجل بعدها ولقيه ابن الخطاب وهو أمير المؤمنين فقال له : والله إنى لا أحبك حتى تحب الأرض الدم ! ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين، أوَ يمنعني هذا حقي؟ قال: لا. فقال: أيحل هذا جَلد ظهري؟ قال: لا .. فقال الرجل: ما لي ولحبك إنما يبكى على الحب النساء ؛ فهنا أمير المؤمنين بينه علاقة وهذا الرجل ألا وهى الحاكم والمحكوم ن لكن الرجل يعرف جيدا أنه لا ريدي أن يتعداها ، ولما اطمأن أن هذا لا يؤثر على علاقته التى شرعها الله انصرف عن طلبه ما وراء هذه العلاقة .

والناس منذ زمن لا تكف أيضا فى الخلط بين الوجهين ذاتهما ، فعندما تقدم على الزواج مثلا قد تقدم "العلاقة" على "الإنسان" نفسه ، حتى إذا حدث للعلاقة أى خلل أودت بالإنسان نفسه ، ولا تلبث فى غالب الأحوال أن تستمر أصلا ، لأنها مبنية على الفرع والأساس هنا أن تـُبنى على الأصل .

ومهما أخفيت فإنه غير خاف أننى ما قصدت بكل هذا إلا العلاقات العاطفية تحديدا - مع خطورة غيرها أيضا- التى ما زالت تحط أقواما وترفع آخرين ، وقلما أجد نماذجا تستطيع أن تنتهى العلاقة بينهما فى أى مرحلة - من أول الفشل فى التقدم إلى فسخ الخطوبة إلى الطلاق بعد سنين – دون أن يمحو أحدهما أو كلاهما الإنسان نفسه من خريطة حياته ، وما يكون مقصد الإنسان الذى يقدم أصلا على العلاقة ؟ ، أليس تعميق الصلة والاحتفاظ بمكانته عبر الزمن ، أفيكون جزاؤه بعكس مطلبوه ، وهو قائم فى صفاته وأفعاله التى لو نسبت بقدها إلى اسم آخر كانت له مكانة أخرى من النفس ، فأى ظلم يحيق به ، وأى ضيم يحط به .

يوما ما كنت جالسا مع فتاة فى حضرة أبيها ، فقلت لها من أحب الناس إليك ، قالت : أبى ، قلت لها إجابتك منقوصة ، إذ أن هذا الشخص الجالس معنا لو لم يكن أباك لما أحببتيه وهو أعظم من ذلك حتى لو لم يكن أباك ، فقالت : وكيف ذاك ، قلت أوما سمعت الصحابى عندما سأل سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم ) من أحب الناس إليك ، لم يقل "زوجتى" وقال "عائشة" ، وعندما سأله : ثم أى ؟ ، قال "أبوها" ، ليس من باب تقديم "العلاقة" على "الإنسان" فهو يحب أبا بكر قبل أن يعرف عائشة ، وليس لمجرد أنه حموه ، ولكن من قبَل المبالغة فى إكرامها وإكرام منزلتها لديه .

فها هو أعظم الناس قدم "الإنسان" على "العلاقة" فى تعبيره عن حب أعز الناس له ، فيا أيها الناس ، إن لكم علينا حقا ، ولنا عليكم حقا ، ثابت طالما ثبتت نفوسكم التى عهدناها فيكم ، لا يتدبل ولا يتغير مهما تبدلت العلاقات وتبددت .

7‏/3‏/2012

الألم

تـُرى أى العلل يشكوها المرء أكثر ، علل الروح أم الجسد ، وتُرى أيهما أسبق ، أو أيهما تورث الأخرى ، أيهما تُشفى ولا تنتكس ، وأيهما تندمل ولكن تُنكأ ، أيهما يصلح المسكن لها .. فيخفف آلامها ، وأيهما تستدرجها المضادات إلى عالم الآثار الجانبية ، أيهما يرثى الناس لحال صاحبها ، وأيهما يهونون من شأنها .

أسئلة تملكتنى لأيام خلت ؛ فأنا لا أتذكر أن علة أصابت جسدى إلا إذا كنت فى أمس الحاجة إليها .. إلا عندما يكون الألم قد تملك روحى ولا أجد سبيلا كى يعرف الناس به فيشفقون على ، فأتمنى ساعتها أن يكون الداء ظاهرا ، حتى يكون لى مجرد الحق فى طلب الراحة ، أتذكر أيضا أن الداء الجسدى إذا جاء بلا علة نفسية فلا أكاد أذكره ، يأتى سريعا ويذهب سريعا ، كضيف حل فى غير موطنه ، فلا يلبث أن يرحل.

ولكن إذا كنا ندعى كثيرا أن الروح هى الأساس ، فلم لا يسترعى انتباهنا عليلو النفوس ، لم إذا قال أحدهم " اعذرنى أنا تعبان نفسيا هذه الأيام " ضحكنا ملء أشداقنا " شكلك بتحب .. ههههه " ، وإذا قال " أصابتنى نزلة برد " تغير لوننا وانكسرت نبرتنا " ألف سلامة عليك " .. لم يمكنـُك إذا أخبركَ الأولى أن تردف قائلا " طيب تسلمنى شغلك بكره وتبقى تحكيلى بعدين " ، وإذا كانت الثانية " طب نام واتغطى كويس وفى داهية الشغل .. أهم حاجة صحتك " ، لم نجد طبيبا واحدة لعلل النفس يسمى الطبيب النفسى ، يعافه الجميع ، ويربطونه بالأمراض العقلية ، ولم نجد لكل سنتيمتر فى الجسد طبيب متخصص أنف وعين وأسنان وقلب وجلد وظفر ..

الإجابات الجاهزة لدى "الإسلاميين" تبدأ بقوله تعالى " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " وبالطبع لا تنتهى ، لكننى حتى الآن لا أجيد الخلط بين خطى العلاقة مع الله والعلاقة مع الناس من الزاوية التكميلية ، أى أننى إذا ضعفت علاقتى بالله لا أستطيع تقويتها بعلاقتى مع البشر كذا العكس هناك نوع ما من ألم النفس لا يمنع القرب من الله أن تشكو منه ، وما كان عام الحزن على نبينا - عندى - إلا من هذا القبيل ، فلماذا إذا تألم حلقك قالوا خذ بالأسباب واذهب إلى الطبيب ولا يقولون تقرب من الذى بيده الشفاء ، وإذا تألمت نفسك قالوا : ذنوب تكاثرت ، حافظ على وردك .

آلام الجسد تدهشنى قدرة المسكنات على إخمادها ، تأخذ كل مسكن فى موعده ، حتى ينتهى تأثيره فتأخذ الذى بعده إلى أن تنتهى المضادات الحيوية من عملها، وتعود بعد أيام لحالتك الأولى ، أما آلام النفس ، فهيهات ، سكونها ما هو إلا محض تلاهٍ عنها ، حتى إذا عدت إلى تفسك وجدت الألم أعظم .

آلام الجسد إذا استفحلت قد يُستأصل موطن الألم ، أما آلام النفس أنى لها ذلك ! ، آلام الجسد قد تشفى ولا تنكأ ، أما آلام النفس فلا يوجد جرح فيها لا ينكأ ، لا يوجد ، أنا لا أذكر مرة مرضت فيها لأنى تذكرت أن فى مثل هذه الأيام من العام الماضى كنت مريضا ، لكن كم مرة بت ليلتى أتقلب لأن صباحى صباح عام جديد على ألم قديم .

آلام النفس تنكئها الكلمة ، و الهمسة ، والغمزة ، والإشارة .. آلام النفس يهيجها لحن ، أو دمعة ، مشهد غروب أوصوت كروان ، صافرة قطار أو مرجل باخرة ، تأتى توا ، بلا ارتفاع تدريجى فى الحرارة ، ولا صعوبة فى البلع ، ولا سعلات متفرقة فى اليوم ، ليس لها أعراض .. ليس لها أنواع من الطعام دون أنواع ، ولا ألوان من الشراب دون أخرى ، كل الأنواع والألوان تصبح فى ألم النفس طعما واحدا بلا لون .

عليل الجسد إذا تأوه تضورت له قلوب الناس من حوله ، وعليل النفس إذا نطق بالآه ظنوا به الجنونا ، وأى ألم أشد فى النفس من ألم لا تراه إلا أنت ، من ألم إذا أردت أن تصرخ منه خرج الصوت يشق أحشائك شقا ، خرج أنينا أبكما ، لا يكاد يبين إذا سُأل : مالك ، إلا : مفيش ، اللهم إلا أن يسعفه الله بـ "شوية برد" فيخرج من حرج الهم الواضح فى ظاهرة بلا علة تُعايَن .

وإذا ما تكالبت الآلام ، هل يصبح السبب الرئيسى فى انتهاء رحلة الإنسان هى تكالب آلام روحه ، أم آلام جسده ، الضغط والسكر والقلب هل هى أزمات نفسية تترجمها الأجساد إلى لغة تفهمها العيون المادية ؟ ، الشىء الذى نعرفه جيدا أن السبب الرئيسى لموت الحيوان هو علل جسديه ، فهل كل من وصلت به آلامه النفسية إلى حد الموت دونها كان راقيا ، هل كان يفاخر جميل بن معمر وهو العربى فى زمن التفاخر عن\ما سأل عن قومه : من قوم إذا أحبوا ماتوا ، وهل مدحته الجارية وأعلت قدره عندما ردت : عذرى ورب الكعبة ، هل كان الفخر بالموت فى ميدان من ميادين الشعور يساوى عند العربى الفخر بالموت فى ميادين المعامع !

هل أقتل نفسى بإدمان عذاب نفسى كما يقتل المدمن جسده بمسكراته ، هل يحاسبنى الله على إزهاق نفسى ، وذهابها حسرات ، أم يثيبها على ما أوذيت به درجات ، أقوى النفس أنا بعذاباتها أم ضعيف بعجزى عن رد الآلام عنها ، أتزيد أسئلتى من الألم أم تسكنه ، أتزيد أسئلتى من آلام مثلى أم تسكنها ، آه من تلك السؤالات إنها بحد ذاتها لهى .. الألم .

23‏/9‏/2010

ألف ميم نون


مفاتيح سور القرآن ( ألم – ألر - .. ) لا يعلمها إلا الله ، أما هذا المفتاح ( أمن ) فهو أحد مفاتيح هذه الحياة الذى طالما حار الإنسان فى فهمه، مع أنه يمثل أحد ركائزه الأساسية، و بالرغم من أنه قد يكون أمرا معنويا للغاية، لكن الإنسان لا يستطيع العيش بدون نسب مُرضية له من هذا الأمن على اختلاف مصادره.

مشتقاتُ هذه الأحرفِ تمتد لتشمل قيما كثيرة فى الحياة ، فمن أول اسم الله "المؤمن"، إلى الصفة التى يعتقد بها الناس فى أديانهم "الإيمان" ، إلى الهدف الأسمى الذى خلق الله البشرية من أجله "حمل الأمانة" ، إلى الوصف الذى أثبته الله على النعيم الأخروى " ما جمع الله لعبد من أمنين ولا خوفين .. ".

إذن فالأمن هو شعور معنوى له عناصر داخلية أغلبها مستقاة من مصادر غيبية أو ميتافيزيقية من فكرة الإيمان بالقدر، والإيمان بأن هناك حياة أخرى ، والإيمان بأن أى أذى جزئى (بدنى أو معنوى) للذات البشرية سيُعوض عنه الإنسانُ بشكل ما فى حياة أخرى ( حتى الشوكة يشاكها) ، وأن أى أذى كلى (الموت) سينقلها مباشرة إلى عالم آخر يتم التمتع فيه بالأمن الكامل (أولائك لهم الأمن وهم مهتدون) لأن فكرة الخلود نفسها هى "أمن" ضد الموت، ولذا فإن مشكلة غير المؤمنين دائما هو انعدام الأمن الداخلى الذى قد يؤدى بهم إلى الإسراف فى أحد الجانبين ، الحرص التام على عدم تعريض الذات البشرية للخطر (التأمين على الحياة مثلا ) ، أو التفريط التام فى تعريض ذاتهم للخطر (الانتحار مثلا ).

أما عناصر الأمن الخارجية فهى تتمثل فى أشياء مادية ، إذا لم تتوفر يصاب الإنسان بنسب من الخوف حتى لو كان لديه رصيدٌ كاف من عناصر الأمن الداخلى ، وهو بلاء كأى بلاء مادى يصيب الإنسان ( الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) ، بل وينال من أعلى البشر الذين يتمتعون بالأمن الداخلى (وإذ زاغت الأبصار وبغلت القلوب الحناجر) ، وسماه الله خوفا بالمعنى الصريح مرتين فى سورة الأحزاب ( جاء الخوف / ذهب الخوف).

والعلاقة بين الأمنين الداخلى والخارجى أراها فى الغالب عكسية فى الحياة فإذا قل الأمن الخارجى زاد الأمن الداخلى ، لأن الركون إلى أسباب الأمن الظاهرة أو الدنيوية إذا انقطعت يلجأ الإنسان إلى توثيق صلاته بأسباب الأمن الداخلى اليقينى والغيبى ، وإذا زادت أسباب الأمن الخارجى فإن الإنسان يركن إليها قليلا على حساب اللواذ بأسباب الأمن الداخلى، هذا على مستوى الفرد ، فما الحاصل على مستوى الجماعة.

على مستوى الجماعة دائما ما تنسج لحظات انعدام الأمن الخارجى خيوط الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أسوء أو أفضل حالا على حسب درجات الأمن الداخلى الذى تتمتع به هذه الجماعة ، فأوقات الحروب أو الفتوح أو الثورات الداخلية دائما ما تنعدم فيها أسباب الأمن الخارجية لدى الجماعة ، لكن فى الوقت نفسه يقاس مدى نجاح النتائج المرتقبة من هذه المرحلة بعمق الأمن الداخلى الجمعى وقوة توجيهه فى الهدف الذى من أجله تجتمع هذه الجماعة عليه.

أما فيما بعد مراحل الاستقرار فإن منحيات الصعود والإبداع دائما ما ترتهن بمستويات عالية من الأمن الخارجى والداخلى على السواء (على مستوى الجماعة كما ذكرت ) ، فإذا كانت يد البنا لا تحكم رص اللبنات وهى مرتعشة ، فمن باب أولى يد الرسام لا تستطيع المسك بالفرشاة من الأساس إذا كانت أيضا مرتعشة .

لكن الأفراد غير التقليديين من القادة والعلماء والمبدعين دائما ما يتعاملون مع مساحة من الخوف الخارجى لأنه فى الغالب ما يقومون بإنتاجه يثير ردود الأفعال التى تكون تارة فى صالح هذا الإنتاج وتارة ضده ، فلو كان شيئا عاديا لا يغير من واقع الناس لما لفت انتباه أحد من الأساس.

لذا فالقاعدة الأساسية فى حياة الفرد أو الجماعة الطامحة المؤثرة أن تكون مستهدفا لألوان من الخوف يعزز من استفزازية تحركهم نحو ما يصبون إليه ، وفرض رؤيتهم فى الواقع كى يأمَنُ إليها من يلونهم من البشر البسطاء العاديين المؤيدين أو حتى التابعين.

تاريخيا نجدُ أن الجماعة المؤمنة كانت فى محل خوف خارجى شبه دائم ، يلخص حالتها مثلا إبان فترة تأسيس الدولة الإسلامية ( من أول الهجرة إلى فتح مكة ) وصفُ أحدِ الصحابة حالـَهم فى المدينة " كنا نبيت فى السلاح ، ونصبح فى السلاح "، أى أن جهوزيتهم للدفاع عن القيمة التى يؤسسونها فى الأرض كانت عالية للغاية، وكل ما أنتجته هذه الفترة وكل ما عايشه ذلك المجتمع – والقائد الأعظم بين ظهرانيهم – كانت فى حراسة السلاح ، ولو بالمعنى المعنوى ، أى الشعور بأن كل لحظة فى حياتهم نذر ووقف لمشروعهم، والذى يجلى من اتضاحه أمامهم عدوُهم المتربص بهم والذى لا يترك لهم مجالا للأمن الخارجى.

على مستوى الأفراد المؤثرين فإننى لا أكاد أجد رجلا له ذكر بين الأمم إلا إذا كان فى المقام الأول مات فى سبيل ما يدعو إليه أو على الأقل فى المقام الثانى أوذى وعذب أو سجن فى سبيل ذلك ، حتى إن الذين لم يصبهم شيئا من هذا يشك دائما فى كيفية تعاطيهم مع مخالفيهم خاصة إذا كانوا من ذوى السلطة ، فدائما السائر على الخط المستقيم لا يعدم الوقوع فى بعض الحفر التى على الخط ، أما الغير ملتزم بذلك الخط فيستطيع بكل سهولة الالتفاف والتلوى مع كل عقبة تصادفه ، مما يبطىء من سرعة وصوله للهدف أو حتى يُضله الطريق تماما.

فعندما نجد أن ثلاثة خلفاء من أصل أربعة فى عداد الشهداء ، ولو عددناهم ستة خلفاء بدخول عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن الزبير يصبحون خمسة خلفاء شهداء ، و عندما نجد أن أئمة الإسلام الأربعة لا يوجد فيهم من لم يسجن أو يمتحن نتأكد من ذلك، من أول أحمد ابن حنبل ومحنته الشهيرة، إلى الإمام أبى حنيفة الذى توفى فى سجنه من التعذيب الذى طاله وقد جاوز السبعين، إلى محنة الإمام مالك الذى ضرب نحو مئة صوت ظل أثرها على جسده حتى توفى رضى الله عنه ، إلى الإمام الشافعى الذى وضع القيد فى يده وكادت تضرب عنقه ، إلى العشرات من تلاميذهم ومن أهل العلم فى هذا الباب الواسع والكثير منهم أعجب عندما يذكر أنه مات فى محبسه ، ولا أعجب من أن نرى أعظم من أثروا فى الفكر الإسلامى القديم كابن تيمية أو الحديث كسيد قطب يتوفى الأول فى سجنه ويحكم على الأخير بالإعدام.

أما إذا خرجنا من باب العلماء والمفكرين فإن أبواب القادة والمجاهدين والدعاة والمصلحين مفتوحة على مصراعيها تسطر آلاف البشر من كل الأشكال والألوان لا فى حضارتنا فقط ، وإلى عصرنا الحالى لا يكاد الواحد منا يسمع عن رجل عظيم الشأن فيذهب لقراءة سيرته إلا ويجد له فى أيام عمره سجن أو محنة تصقل من معدنه، وتمِيزُهُ بين الرجال ، حتى أن الرجل الذى تفاخر به أقوامنا الآن على مستوى السياسة بين سجنه وتوليه رئاسة وزراء تركيا أقل من خمس سنوات.

ومع كل هذه السير وتلك المسيرات فإننى لا أدرى كيف وصلت ثقافة "الأمن" إلى وضعها الحالى فى مجتمعاتنا على مستوى الفرد المؤثر وعلى مستوى الجماعات الفاعلة ، هل بالفعل يشعر هؤلاء الأشخاص أن انعدام الأمن هو أمر غير مستغرب؟ ، أو بالأحرى لماذا يوجد حرص على وجود هذا الأمن والتضحية ببعض المكاسب الواجبة والمفروضة عليهم فى الطريق؟ ، وهل هناك درجة من انعدام هذا الأمن "التضحية" يجب أن نصل إليها أولا حتى نُعطى ما نطلبه ؟ ، لماذا لا يكون الاعتقال مثلا فى زمننا هذا هو أمر متوقع فى حياة كل فرد مؤثر؟ ، علامة مضيئة على الطريق ، وأن يكون العكس هو المستغرب، صحيح أننا لا يجب أن نتعامل معها على أنها من حق الظالم نفسه أن يعتقلنا كما يحلو له ، لكن فى الوقت نفسه ليس من حقنا أن ندفع هذا الخوف بالركون إلى خطوات من شأنها أن تبطىء عجلات الهدف الذى نصبوا لتحقيقه.

إن الطريقة الثورية فى الاحتدام بنقاط الجهل والتخلف والفساد والخواء لتُعرف من حجم الخوف الذى يلاقيه كل فرد وكل جماعة على خطوط هذه النيران ، وإن كل ابتعاد – فى وضع أمتنا الحالى – عن هذا الخط لا أخال إلا أنه يبطىء من النصر الوشيك.

دعونى أقول أن تلك الخواطر تجول فى جنانى منذ عام ، وها أنا – بهذه الليلة – أتمم عاما كاملا بعد تجربة اعتقال قصيرة ، قد أكون خسرت فى هذه نهاية هذا العام – بسبب الملف الأمنى – عملى كمراسل وكإمام وخطيب حر ، لكننى لا أستطيع أن أنكر أننى أفضل حالا بكثير، أن أجزاء كاملة من طرق التفكير ودروب العمل لدى قد تم دفعها بشكل صحيح ، والفضل أن "ألف ميم نون" أصبح لديها عندى معنى مختلف ومذاق خاص بعد تجربة مثل هذه .

حتى قد يكون الأمر أوسع من ذلك ، والنظرة أشمل من الأمن على النفس ، فحتى الأمن الاقتصادى وعدم المخاطرة برؤوس الأموال، أو الأمن على الأشخاص القريبين منى ودوام الاطمئنان المتبادل بينى وبينهم، أو الأمن العاطفى وعدم خوض تجارب ما كانت محظورة لدى سابقا، أو حتى تأخر السكن النفسى ذاته، كل هذا قد اتسق وتناسق وانتظم فى عقد جديد بعد أن كان متناثرا فى حياتى ليشكل منظومة لا تعرف الأمن ولا الأمان فى هذه الحياة ، وترتقبه فى حيوات أخرى .


20‏/6‏/2010

صدمة 23


خطوُه يأخذ فى التسارع كلما اقترب من ذلك المبنى ، تتلوى قدماه وهو يلتفت برهة للبوابة التى دخل لتوه منها ويتمتم حامدا أن لم يسأله أحد عن هويته الجامعية ، يبدو أن استنتاجه كان صحيحا ، يبدو أنه بالفعل لم ينقطع تردده على هذا المكان بعد ، وجهه هنا ما زال مألوفا ، وجوههم أيضا .. هؤلاء الذين يقفون فى بوابة المبنى لم يتغير إلا واحدا أو اثنين ، تلتهم أقدامه الدرج بقوة ، يصعد دورا واثنين وثلاثة بنفس القوة ، يلهث عند آخر درجة ، يمرر عيناه على أبواب تلك الردهة ، لا بد أنه قد التحق بهذا القسم ، ينظر فى ساعته المكسور زجاجها ، عشر دقائق تبقت على الموعد ، يلمح مقعدا فى طرف المكان ، يلقى بجسده المرهق عليه ، يلتقط أنفاسه ، تدور عيناه فى المكان دورة كاملة قبل أن يغلقها تماما ، يضغط بأجفانه أكثر ، يحاول أن يهدأ ليراجع الساعات الغريبة التى مرت به منذ الصباح ، يجفف بمنديله قطرات العرق الخفيفة التى انتثرت على جانبى جبهته من أثر العدو ، يرتبك عندما يرى أثر الدماء التى على المنديل ، فيخفيه فورا فى جيبه ، تلمس أنامله الورقة التى بسببها هو الآن فى هذا المكان ، يرفعها أمام عينيه ن يحاول استنطاقها ، يتذكر جيدا أنها مقطوعة من مفكرته الأثيرة ، ذلك التاريخ المطبوع عليها وهذا الكلام المكتوب فيها لا يتذكر متى كتبه .. 10/6/2008 ، هذا هو التاريخ المطبوع ، و 10/6/2010 هذا هو التاريخ المزيل فى الورقة والمكتوب بنفس خط هذه البنود الخمسة ، لقد تأكد بالفعل أن يومه هو التاريخ المكتوب ، لقد التقط ورقة حالته المعلقة على طرف سرير المشفى مأرخة بـ 10/6/2010 ، الكثير من الحروف الإنجليزية غير المنسقة كانت منتشرة تستفل وتستعلى أسطر ورقة المشفى ، لم يسعفه فى الفهم إلا الكلمات التى استلقتها أذنه فى حالة نصف وعى ، كان أحدهم يهمس للآخر ، لعل صوته كان عاليا ولكنه لم يسمع إلا همسا ، كان يتحدث عن حادث .. عن احتمال فقد للذاكرة .. كان الآخر يبدد شكوكه .. كان يحدثه أن الصدمة كانت خفيفة .. أن الجروح طفيفة .. أن الفقد لن يكون إلا جزئيا .. أنه سيعود سريعا .. بمجرد أن يفيق ويرى بعضا من حياته المفتقدة فى الذاكرة .. لعل هذا هو الذى جلعه يفر فى غفلة من الممرضة التى ثقلت رأسها على باب العنبر ، ماذا لو بقى ، من المأكد أن أحدهم قلق عليه الآن ، لكنه لم يستطع ، الأحداث التى فى تلك الورقة ، تلك الورقة الوحيدة التى عثر عليها فى جيبه ، لا يمكن أن يتحمل تفويتها ويستسلم هناك راقدا على فراش المشفى ، بالتأكيد سيخسر ، يحاول أن يتذكر أكثر ، صور كلها مشوشة ومهتزة ، تحلق نفرِ يلبسون لأبيض ويتكممون بالأخضر فوق رأسه .. حركة عجلات السرير المتسارعة المتذبذبة فى أروقة رخامية ، أبواق سيارة الإسعاف المتتابعة ، آخر امتحانات الكلية .. لا لا لا ، محال هذا ، من المؤكد هناك خطأ ، ما .. يستدير برأسه ويضربها برفق مصطنع فى الحائط الرخامى خلفه ، يفتح عيناه فجأة ، منذ متى دخل الرخام كليتنا ، تبا إنه لا يتذكر أى شىء ، أى شىء عن عامين مضيا .

لا يبقى كثيرا على حالة ارتباكه هذه يصوب نظره شطر ذلك الموظف الذى ما زال يرقبه شذرا ، يهم إليه ويبادر بالتحية ، يسأله إذا ما كان اسمه فى كشف هذه اللجنة ، يرد مستنكرا : سيادتك لا تعلم ما هو قسمك ، يتردد برهة ك بلى أعلم ، قسم التاريخ لكنى لا أتذكر الرقم ، بعد تنهيدة تستفتح عينا الموظف قائمة اللجنة ، يعثر على الاسم فى أول صفحة ، تختلج قلبه فرحة عندما وقعت عيناه على اسمه أيضا ، يمرر الموظف اصبعه إلى أن يصل إلى الخانة التى فى آخر السطر ، ينظر إليه وقد مط شفته السفلى ، حضرتك محروم بالطبع من الامتحان اليوم ، لم تحضر أصلا طوال العام ، يتمتم بصوت خفيض : لم أحضر كيف لم أحضر ، ما المانع من حضورى ، أى عمل أخرنى عن هذا ، لا بد أن هناك ما كان يشغلنى ، لا بد أن عملا أهم فى انتظارى اليوم عوضا عنه .. أخذ يحدث نفسه زاهلا عن الموظف تسوقه قدماه إلى الدرج ثانية .

جلس لحظات يستعيد هدوءه على مقعد مقابل للكلية ، يمسك بالورقة ويقرأ أول سطر فيها قراءة أخيرة - قبل أن يمحوه تماما - : الذهاب إلى امتحان التمهيدى الماجستير – قسم التاريخ الإسلامى .

ينتقل برفق إلى السطر الذى يليه ، يمشى بتؤده هذه المرة ، يتذكر أو مرة صعد فيها هذا المبنى المقابل لكليته ، وذلك الدور العلوى الذى كانت تعلو مكاتبه التراب ، كيف كان أول اجتماع به مع أول فريق عمل ، خمسة كانوا وهو سادسهم ، لم يمض إلا أشهر حتى جاوزوا المئة ، يالله ترى كم وصلنا الآن ، وترى أى الفروع فتحت ، وترى من الآن يخلفنى فى منصبى ، وترى أى مفاجئة تلك التى من المفترض أن أخبئها لهم اليوم ، شىء من السرور أخذ ينمو بنفسه كلما اقترب من باب مكتبه ، سرور يعرف مذاقه من كل عمل تطوعى يقوم به ، ويشعر أنه بالفعل رصيد مباشر يضاف لأمته ، أخيرا تضغط يده على مقبض الباب يفتح برفق ويدفع بلين ، لا يدور المقبض ولا يستجيب لسانه ، يبدو أنه مغلق ، يتوجه للمكتب الذى بجواره ، شخص لا يتذكره يجلس هنا ، يبادر : أجديد هنا ، ينظر الشاب إليه وقد عقد حاجبيه ، يعنى من سنة تقريبا ، مين حضرتك ، يدور السؤال فى ذهنه بسرعة البرق ، إنه لا يعرفنى ! ، هنا من سنة ! ، لم آتى لمكتبى هنا منذ عام ، يالله ترى .. يقاطعة الشاب بنبرة أعلى : مين حضرتك ، يتلعثم ، لا أنا فقط كنت أسال عن مجموعة شباب .. نعم شباب يقومون بنشاط ما هنا .. نشاط اسمه "أبجد" تعرفهم .. سمعت عنهم ، يأخذ الشاب فى القهقهة : لقد رحلوا منذ زمن طويل . رحلوا كيف ؟ لمذا ؟ ، يتابع الشاب فى تلقائية مستنتجا : آآآآه .. أنت إذن من الأعضاء الذين نسوا أشياء لهم هنا ، ويأتون كل يوم والآخر كى يسألوا عنها ، ويصدعونا نحن ، حسن يا سيدى تعال ورائى ، وبحركة ميكانيكية أخذ العامل يعبث بعدد من المفاتيح أخرجها من جيبه ويتوجه بتلقائية إلى باب فى آخر الردهة ، ويفتحه بشىء من الدفع والتدافع من عشرات الأوراق التى بدت متكدسة خلفه ونادى نحوى : تفضل خذ ما تريده وارحل .

لا يكاد يصدق ما رأى ، لا يكاد يصدق أن الرجل الذى افتتح نموذجه عندما كان رئيسا لمركز فى الكلية هو هو الذى أغلقه عندما أصبح عميدا لها ، لا يصدق ما قاله ذلك العامل ، لا يصدق أن ما أنفقه فى أكثر من عامين راح أدراج الرياح ، تكدس أكوام فوق أكوام كالأطلال فى حجرة ضيقة ، لا يصدق أنه سيخرج الورقة من جيبه ، وسيمحو السطر الثانى ، أن زيارة لمكتبه فى نموذج مجمع اللغة العربية ، وتقديم هدية لمن يكملون مسيرته باتت فى عداد الأمنيات المستحيلة ، أن عليه التوجه للسطر الثالث ، بكل أمل ، وكل خوف ، بألف رجاء يجر أقدامه اليائسة إلى الحديقة المسماه فى جدوله المزعوم اليوم ، ينتظر لقاءه القادم .

الطريق من الجامعة إلى حديقته تلك المطلة على النيل ليس طويلا ، والموعد الذى كتبه قبل عامين هنا فى الورقة ليس قريبا ، آثر أن يقطع المسافة ماشيا على نسمات نيلية تلفح ذاكرته فتعيد لها ما سلبه حادثه ذاك ،لكن النسمات بدلا من أن تسترد شيئا من عقله أخذت ترسل أشياء من مآقيه التى تترقرق فى عينه منذا الصباح ، رباه لو كان لى أن أنسى أننى تركت الماجستير ، وأن مشروعى قد توقف رغما عنى ، فلا يجب أن يسقط من ذاكرتى أبدا موعدى القادم .. تتسابق الدمعات عندما يخطر بباله أن ماذا لو لم يكن ساقطا ، ماذا لو لم يكن موجودا من الأساس ، تكاد أنفاسه تقف على حافة السؤال قدماه تغوص فى عرض الممشى أيمن كوبرى الجامعة ، فى حركة جنونية اندفع بجسده كله كالرصاصة يطوى ما تبقى من الطريق عله يستبق قدرا ليس يسبقه .

دارت عيناه فى المكان حتى وقعت على طاولة غير مشغولة ، قصدها مضطرب الخطو ، جلس ضاما رجليه ويداه مقبوضتان عند ركبتيه وعيناه صوب المشهد النيلى الذى راح التماع ماءه - تحت وهج الشمس - ينعكس ويتلألأ فى عينيه فيزيد من ترقرق مائهما .

"ترى من تكون التى أنتظرها" ، حدق فى وجه النادل الذى أتى ليسأله عن طلبه وكاد ينطق ، لكنه ابتلع ريقه ، نظر على الطاولة ، أمسك بالقائمة ، ترى أى المشروبات تفضلها ، هل تحب الجوافة مثلى ، أم ترانا لا نطلب سوى الليمون ونوفر أى مليم لعصائر البيت الطازجة ، "أنتظر أحدهم ، سأطلب عندما يأتى" ، تململ النادل منه وأشاح عنه بوجه عابس .

أخذ يقلب ذاكرته فى صفحات وجوه فتيات من رأى ، من أحب ومن عرف ، من جاورها ، ومن زاملته ، من تأستذ عليها ، ومن تتلمذ لها ، من رنا إليها ، ومن إليه تزلفت ، أخذ يحاول تجميع صورة واحدة ، لا يريد سوى واحدة ، ترى أعيناها كما كان يحلو أن يلونها بخضرة الحقول وزرقة السماء والبحر ، أم بدكنة الغسق وحمرة الغروب ، أم بسواد الليل وغمقة العنبر ، تراها خمرية كمعتوق النبيذ أم شقراء كضى القمر ، تراها تقارعه بقلمها ، أم تباريه بصوتها ، تشعر به الآن ، تعرف ما حدث له فى الصباح ، ترى يعرفها لو أتت .. ضاق ذرعا بخيالاته ، وضاق بمقعده ، انتصب عوده النحيف وراح يضرب الأرض بخطوات غادية وراءحة ، يحدق فى وجوه الخلق ، يخيل إليه كل غادية أنها مقبلة عليه ، ترى هل تكون تلك .

أخذ اليأس يتملكه ، ينظر إلى ساعته المكسور زجاجها ، مرت ساعة ، ياه كيف نسى ذلك ، يكاد أذان العصر يُرفع ، لم يصل الظهر بعد ، انطلق إلى الزاوية التى يعرفها جيدا فى ركن من الحديقة ، لا يذكر أنه كان متوضأ ، أخذ يفضى من الماء على أطرافه فيكتشف بعض الجروح والكدمات التى أخذت تشى أن الحادث كان أشبه بالسقوط منه بالاصطدام ، ترك التفسيرات بعيدا ، ترك الماء أيضا على أطرافة يقطر ، وهم بالصلاة .

قرفص بعد الصلاة ووضع رأسه على تشبيكة أصابعه يحدق فى لا شىء ، لا يتذكر أنه أحس بلذه كهذه من قبل ، تملكه العجب ، إن خالق الحب لا يكلفك إلا أن تذكره فى نفسك حبيبا حتى يذكرك فى نفسه ، بمجرد أن يخطر على بالك .. نعم بمجرد أن يخطر على بالك ، تعلم أنه يذكرك ، يذكرنى ! ، وأى سعادة ينالها محبوب عندما يعلم أنه حبيبه الآن يفكر فيه ، فما بالك لو كان مخلوقا وهو خالق ، لكن لم تتفتق له هذه المعان التى لم يطالولها يوما ، تلك التى كان يفكر بها طوال تلك الساعات ولا يعلم أصلا أهى كائنة أم لم تكن بعد ، أيتوافق تخاطرهما ، أم يتنافر ، وما الذى عليه فعله كى ينهل بوصلها ، أن يبتغى سلما فى السماء أو نفقا فى الأرض ، لكن ما الذى عليه فعله كى ينهل بوصل الحبيب الأعظم ، أن يرفع يده ويهبط بها على صدره ، أن يصدح الله أكبر الله .. سمعها ترن فى الأفق تعلن صلاة العصر ، اندفع بجبهته تقبل الأرض وبروحه تحلق فى السماء ، وبلسانه يدعو الحبيب أن يهديه حبيبه فيه .

تسليمة عن اليمن وأخرى عن اليسار ، يرفع بعدها يده إلى جيب قميصه ، يخرج الورقة ، ويخط على السطر الثالث ، لم تأت له زوجة فى الموعد المحدد ، ضاق ذرعا بتلك اللعبة السمجة ، أخذ يمرر عينه فى بقية الجدول ، يذهب لشركته ويعقد اجتماعا تقييميا ، يصلى مع صديقه المغرب ، يذهب لبيته قبل العشاء ، لا يعرف من ذلك كله إلا صديقه الذى لا يخال أنه قد تغير ، ترى أين شركته تلك ، وهل هى موجودة أم ككل الأخريات كانت مجرد أمنية لم تر ضوء النهار بعد ، وترى بيته ذاك هو بيته فعلا ، أم بيت أسرته ، هل يجلس إلى الآن فى بيت والده ، لا يعقل هذا ، من يدلنى إذن من ؟ ، جمع أمره وانطلق من فوره إلى صديقه ، ما زالت معالم بيته الذى يتردد عليه لا يُخطؤها .

بيت صديقه لا يفصله عن بيت أهله سوى عدة شوارع ، ورغم ذلك أحب أن يذهب إليه أولا ، مؤكدٌ أن لديه تفسير أوضح لكل هذا . عند مدخل شارعهم رأى أخاه من بعيد ، استبشر وتوجه نحوه :

- كيف حالك حسان ، وكيف أخوك .
- بخير والحمد لله ، لكن يبدو أنه لن ينزل فى أجازة هذا الصيف .
امتقع وجهه وزاغت عيناه ، تابع بصوت تحشرج فى حلقه : ولم ذاك ؟
- يبدو أن المقام قد طاب له فى السعودية ، ضحك الفتى ثم ودعه ومضى بعيدا .

تسمر فى مكانه ، لكن دهشته لم تلبث طويلا ، مم يدهش ، ولم يدهش ، من أول يوم عرف فيه حاتم وهو لا يكف عن حديث السفر ، ودروب الهجرة ، من أول يوم عرفه فيه وهو يأتى كل يوم له ببلاد جديدة يقلب رأسها على عقبها ، يتعلم كل شىء عنها ، ثم يكتشف أخرى أكثر ميزة أو ميزتين فيتحول إليها ، يذكر أنه كان أكثر تعلقا بكندا ، نعم كانت حلمه الكبير ، لا يذكر أبدا أنه فكر بالسعودية من قبل ، ترى ما الذى جعله يحط رحاله هناك ، نعم كنت أعرف كل ذلك ، لكن من كنت أفكر فيه صديقا ساعتها عندما يسافر حاتم ، هل كنت أنوى البقاء بلا صديق ، ترى من اتخذت من بعده صديقا ، ترى ما سمته ، ترى ما خلاله .. وأخذ يعيد هزيانه فى أصبوحته النيلية بلا وعى .

عندما بلغ ناصية الشارع استقبلته الشمس بأشعتها القرمزية ، فبثت فى الأفق مشهدا جنائزيا مهيبا ، خطف قلبه عندما رنت عيناه إلى شرفة فى الشارع الذى يقابل بيته مباشرة ، بدت وكأنها تحمل له ذكرى أليمة لم يجف جرحها بعد ، كيف وهى شرفة تلك الفتاة التى هى الآن قد شب طوقها وما زالت أحلامى تراودنى أن أنتظرها عدد سنين فأظفر بها ، أخذ يرد ذلك الخاطر وهو يتمتم : أمسينا وأمسى الملك لله ها هو يدخل شارعه ، ويتمتم : اللهم بك أمسينا ، يرمق مسجد "فاطمة الزهراء" قد سمى باسمها ، ينقبض أيضا عندما ترتقى عينه إلى لوحته المنحوتة بخط الثلث المحبب له ، يمضى فى طريقه بلهفة يتسارع خطوة كمن يلاحقه عدو مباغت خلف أشجار غابة معتمة ، ويتمتم : أمسينا على فطرة الإسلام ، يسرع أكثر كلما اتقرب من البيت لم يتبق سوى بنايتين يسلم ساقه للرياح يتجاوزهما فى سرعة البرق ، تتسمر عند الدرج الذى همت بالتهامة .

- حمد لله على السلامة يا أحمد ، قالها وأخذه بين ذراعيه يحتضنه بقوة ، بل يعتصره فى عنف .
- الشيخ أنس !
- لا ، كان هذا منذ زمن ، أنا الآن ، أنس صديقك
- صديقى .
- اجلس ، وقل لى كيف سار يومك .

لم يحك شيئا ، حكى له أنس عن كل شىء ، حكى له عن اتصاله به ليلة أمس ، كان صوته عاليا ومضطربا كالممسوس يصرخ ويطلب منه أن يرافقه غدا فى ركوب الخيل " خشيت عليك بشدة ونصحتك ألا تذهب ، فى الفجر هاتفتك رد على أخوك وقال إنك تركت هاتفك ، وتركت المنزل فجأة ولم تعد من بعد الصلاة ، أدركت أنك بهذه الحالة مصاب لا محالة ، نزلت من فورى ولحقت بك عند المكان الذى نركب فيه الخيل دائما ، وجدتك محمولا على يدى أحدهم بعدما كبا بك الجواد من فرط اندفاعك به ، ذهبت معك للمشفى ولما قصصت للطبيب ما حدث ، أبلغنى هو الآخر بحالتك ، قدم إلى الورقة التى فى جيبك وقال أرجح أن فقد الذاكرة المحتمل ذلك سيبدأ من هذا التاريخ قبل سنتين من الآن ، ذكرت له أن الصدمة ستكون كبيرة عليك ، اقترحَ أن نتكرك تواجه ورقتك بندا بندا ، حتى لا تصعك الحقيقة كاملة ، اتصلتُ بأهلك لأطمأنهم ، وتغافل العاملون بالمشفى عنك ، حتى حدث ما كنا نتوقه ، وخرجت لتستقبل أحلامك وتراها بعينك ، لكن صدقنى أحلامك هذه رغم ذلك قد تحقق منها ..

لم يدعه يكمل أكثر من هذا ، أخرج ورقته وطلب منه أن يدله على المفكرة المنتزعة منها ، ناوله إياها ، قبض عليها بيديه المرتعشتين وخطا بقدميه الثقيلتين درج المنزل مودعا إياه : شكرا صديقى ، دخل البيت ، استقبلته الأحضان الحارة ، والأعين الدامعة ، أنسل من وسطهم ، أغلق باب حجرته خلفة ، تكوم جسده خلف الباب ومفكرته مضمومة إلى صدره ، فتحها برفق وأخذ يقلبها صفحة صفحة ، ويتذكر أيامه الضائعة يوما يوما ، يأسف لسفر صديقة ، يبرق لاجتماع قلبين يحبهما فى الله ، يرعد لفترة اعتقال مرت به ، يشهق لرحلة قصيرة إلى غزة ، يجزع لموت فاطمة ، يصل إلى صفحة الأمس ، يلتئم الماضى بالحاضر ، آخر مشهد مفقود ها هو يلتقطه ، ها هو يرى نفسه على ذلك الجواد الأبيض فى الصباح يعلو به ويهبط ، ينطلق به كالريح المرسلة ، ها هو يتذكر خلجات نفسه ويكاد يلمس وجهه المزعور رغم كل شىء ، كأنه كان يستعد للكبوة ، ها هو يشعر برأسه ترتطم بالأرض ، وتظلم الدنيا ..



يهب واقفا ، يستوى بجسده على المكتب يمسك بصفحة اليوم ، يمتشق القلم ويسطر ، ينتهى سريعا ، ويعلقها على الحائط ، يعاود القراءة بصوت هامس خفيض .

الأحد 10/6/2012

- أذهب لامتحان الماجستير .
- أتابع عمل "أبجد" .
- أقابل زوجتى فى الحديقة النيلية .
- أتوجه لمكتبى فى مؤسسة "الفراقد" للإنتاج الإعلامى .
- أحجز تذكرتين لقضاء عطلة الصيف مع حاتم فى كندا .

1‏/3‏/2010

إعادة الارتكاز


نظرة للفتى منذ خمسة أعوام تستشعر أن مرحلة ما قد دخل فيها لتوه ، تاريخ ما يشده نحوها بقوة ، يجعل نواقيس عقله تدق ، ومراجل قلبه تتضرم ، يوم ما يريد أن يجعله محورى فى حياته كما رآه فى حيوات من علا فى الأرض من قبله ، ساعة ما يخال أن عليه بلوغها بحقها ، يبدو أنه سيرفض قوله : "عندى عشرون" ، قبل أن يكون قد امتلك أسبابها ، حسِبَ تلك الطاقة جيدة فى حينها ، قد دفعته دفعا إلى السير والسرى ، مشدوها إلى ذلك العالم العشرينى .

بمجرد وصوله أخذت الأرض تضطرب من تحت قدميه ، يبدو أنه أسرف فى سعيه ، أو حمق فى أمانيه ، أحس بأنه كطفل وليد لفظته أمه لتوها فى ساحة حرب ، أخذت النار التى حمأت بأفكاره وأعماله – فى فترة السنتين ونصف التى انقضت – تصوغ له درعا سابغا – من الحب اختاره – كى يحتمى به من شظايا المعركة ، وجدها أيضا تستن له سيفا بيرقا تسله من الثورة التى أضحت ضربة لازب فى أرض لا يخلو منها شبر إلا من رجل محارب أو رجل مقبور .

لم يكن الغريب أن يتطلع فتى إلى عمر العشرين قبله بعامين ونيف ، ولا أن يحسبه الجنة الموعودة بعد سفر الفيافى حتى إذا وصلها دُفع إليه بفرس وبالكاد اتقى أول سهمين وجِّها إليه بدرع التقفه ، وعاجل أول ضارب بنصل سيف التقطه على عجل ، لكن الغريب الذى يريد أن يعرف له تفسيرا هل خرج بالفعل من هذه المعركة وأكمل الرحلة أم ما زال هناك يحارب فى أرض قد ضاقت به ، يقف عند مرحلة قد تخطاها الفرسان بكثير ، أو يبدوا أنه تخطاها كما فعلوا مرغم بقوة الزمن ، لكنه وإن سار مبتعدا فلا زال يرمى ببصره هناك ، يسير للأمام وينظر للخلف ، غير مصدق بأنه يوما من الأيام لم يرفع لوائه منتصرا على هذه الأرض ، نعم قد خرج منها والدماء وساما على جبهته ، نعم قد خرج منها بعد أن جندل أعدائه وأثخن فى غرمائه ، لكنه لم يستطع أبدا أن يرفع راية النصر ، يتكاثرون عليه وهو الفارس البطل ، فيرغمونه على أن يدفع عن نفسه أولا ، فرفع الراية كان محض انتحار .

اليوم وبعد أن تباعد ما بينه وبينها ، وبعد أن مضى عمر كالذى أفناه فى الوصول إليها ، ، وبعد ما أعشى بصره من طول النظر خلفه ، وبعد أن بح صوته من طول ما تصايح لها ، يجد نفسه اليوم قد لمع فى قفاه ضوء مرحلة أخرى ، وشعر بلسعة خفيفة من لهب معركة قادمة تستحثه كالتى قبل ، وتناهى إلى أذنه ضجة المعامع وصخب الفرسان ، رويدا رويدا أخذ يدير وجهه ، رويدا رويدا .. أخذت تودع عيناه والمآقى مختنقه مشهده العشرينى ، رويدا رويدا استدار كامل جسده ليبصر على البعد عمره المحورى الثانى .. الخامس والعشرين .

من يعرفنى – واقعيا أو افتراضيا – ليس فى حاجة لأن يسمع منى أكثر مما ذكرته كى يعرف ما قد تمخضت عنه الفترة الماضية وما قد تتفتق عنه المرحلة المقبلة ، ومن يتهمنى بالإلغاز وتقصُّدِ الغموض قد يعتب على ، وعتبه قد وجد له صدى ، فصناعة الكلام عندى لم تكن يوما – ولن تكون – من مواد خام ، فهى ليست من أحرف وكلمات ، حركات وسكنات ، ولكنها من لحم ودم ، من أنفاس وخطوات ، بدأت – فى قصتنا هذه – منذ أول حوار استطعت أن انفرد به مع أ.د/ محمد عبد الحليم (رئيس مركز الدراسات الإسلامية بلندن) قبل خمسة أعوام ، ونشر لى فى ملجة الكلية على غير رغبة منهم فى أن يوضع اسمى على صفحة من صفحات منابرهم التى أقض مضاجها كل يوم ، كان هذا الحدث وقتها علامة تحول فى أشكال إنجازى ، بنفس الطريقة استطعت أن أسمع صوتى من خلال مهرجانين فى الفصل الدراسى الذى يليه ، ومع أول أجازة صيف كان دخولى إلى عالم الصحافة فى أسخن نقاطها حيث كانت تشهد مصرفترة حراك غير مسبوق ، قوى غير تقليدية نزلت إلى الشارع ، انتخابات برلمانية ورئاسية ، تغطياتى اليومية لكل فعاليات القوى السياسية لخصت لى الكثير عن المشهد السياسى المصرى الذى كان أول تغير حقيقى لملامحه فى فترتنا تلك هو فوز محمد بديع بانخابات مرشد الإخوان ، واستقبال البرادعى فى مطار القاهرة ، أى انتهت مرحلة وولدت من رحمها أخرى .

لم يستطع عملى فى الصحافة أن يسلخنى من قلب معركة أنا مسئول عنها فى المقام الأول ، أن تحدث تغييرا إيجابيا داخل كلية تقليدية ذات حس أمنى متوتر كدار العلوم ليس من السهل مطلقا ، قد تطلق بعض المناوشات من تكوين شعبية ما بمجلات حائط ( المجهولة المصدر) أو مهرجانات شعرية وإنشادية أو كلمات المختلسة فى المدرجات ، أو حتى أسرة ذات شرعية جزئية ، لكن أن تحدث فرقا وأثرا لا يزول تستطيع أن تطلق عليه بلغة عامية " تعلم عليهم" كان لا بد من منهج مختلف ، لم أهتد إليه إلا بعد الخروج من الصندوق ، والمشاركة ببعض الأنشطة الخارجية وبالأخص فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والذى كان على أثره - وبعد أقل من شهرين على اشتراكى فى نموذج منظمة المؤتمر الإسلامى - نموذج مجمع اللغة العربية "أبجد" الذى استمر لدورة ونصف قبل إغلاقة كإجراء طبيعى فى "كلية بوليسية" .

المعركة الأعلى صوتا فى كل هذا لم تكن بينى وبين نظام بوليسى أو حركات سياسية أو قوى كبرى ، كانت مجرد معركة استكمال لبنائى النفسى الذى ادعيت – وما زلت مصرا – أنه لو تحقق سيزيد من معدلات إنجازى إلى الضعف وسيقلل من خطوط تذبذبى إلى النصف فتكون القوة والاتجاه قد تضاعف حجمهما كما وكيفا ، كانت هذه الخطوة – وما زالت – هى الحب المزهر بالخطبة ، والمثمر – فى فترة لا أحسبها داخل تلك المرحلة – بالزاواج ، وعلى الاعتراف الآن – ولأول مرة – أن هذه الحرب لم تكن ذات خسائر محضة ، بل إننى لم أعرفنى أديبا ، ولا حتى منجزا إلا فى اللحظات التى أكون مدفوعا فيها إلى "محاولة" حب إحداهن وقد أقبلتُ ، أو "محاولة" الانتقام – لنفسى – من إحداهن وقد أدبرتْ ، ولكن فى كل الحالات لم – ولن – أشهر سيفى فى هذه المعركة إلا فى وجه صنم واحد يسمى .. المجتمع .

العجيب أن غنائم هذه المعركة كانت فى نظر الخصم "المجتمع" هى أهم من الفوز أو الخسارة ، ولا غرو فقد كانت غنائم "اقتصادية" استطعت من خلالها أن أكسر أكثر من حاجز ، أولها بداية العمل بشكل مستمر – وليس ثابت – مع أول سنوات الدراسة الجامعية ، وثانيها تجاوز "مكافئات الطلبة" إلى "رواتب الخريجين" وأنا أيضا فى المرحلة الجامعية من خلال الاعتماد على المهارات والدورات والنموذج الذى أعتز به فى هذا المضمار هو فترة عملى فى تعديل ووضع مناهج اللغة العربية لغير الناطقين بها (الفرقة الثالثة) ، أما ثالث هذه الحواجز هو الإبقاء على شكل الارتباط بالعمل بعد التخرج أيضا من حيث التحرر من فكرة العمل اليومى فى محوريه الثابتين (عدد الساعات/الراتب) إلى العمل بطريقة القفزات ، وذلك من خلال مبادرة إنتاج الأفلام الوثائقية وتسويقها ذاتيا عبر مجموعة من الأصدقاء مؤمنين بنفس طريقة العمل .
أزعم أن هناك دافعين لا ثالث لهما فى كل توجهاتى وهما متلازمين أيضا : الأمة .. الحبيبة ، برغم أن ملامح كل منهما قد تقترب أو تتباعد زمانا ومكانا حتى أشعر فى لحظات أنهما وهميتان ، وفى لحظات أخرى أنهما يتداخلان بنفسى تداخلا لا يكاد المراقب لى يظن إلا أننى أعمل من أجل نفسى وفقط ، لكن فضل الله ومنته أن ختم هذه المرحلة بذروة من ذرى الثورة ذات الشوكة ، ففى فترة الاعتقال القصيرة التى أنعم الله بها على ، لم أكن آنس فى زنزانتى الانفرادية سوى بالأمة ولم أكن أستوحش سوى الحبيبة .

إذن فما المشكلة فى أن أكمل فى خطى الذى اختطه لنفسى هذا ، وقد بدا من عرضى أنه مبشر ومنتج ويافع ، لم أريد الآن أن أعيد الارتكاز ، حول ماذا ؟ ولماذا ؟ ، هذه أسئلة أيضا يعرف الإجابة عنها تماما من يتابعنى متابعة دقيقة ، لكن من هو أبعد من ذلك لا يعلم أننى ما زلت أحسب كل هذه الإنجازات وأخصم كل هذه العثرات من مرحلة "العشرين" ، ما زلت حتى الآن أعتز ببطاقة هويتى التى توضح بجلاء أننى طالب فى دار العلوم ، ما زلت أتلعثم حتى ولا أذكر فى تعريفى أننى متخرج من كلية كذا بل ما زلت فيها ، ما زلت أطلق على سيرتى الذاتية "حصاد العشرين " ، وعلى إنتاجى الأدبى والعلمى "أوراق عشرينية" ، لزاما على الآن أن أودع كل هذا ، أن أبتسم للكاميرا ممسكا بالمذياع قائلا : عدنا .. عدنا وفقرتنا التالية هى الخمس سنوات المقبلة ، معايير جديدة ، إذا لم أنتبه لها ، لن يكون هناك خاسر غيرى ، ومع شخص لا تبدوا خساته فى أغلب الأحيان إلا مجرد إنجاز أقل ، فإننى لن أنجز شيئا .

إذن قد انتهت أخيرا .. ولن أستطيع البحث بعد اليوم عن الفتاة التى تكون أول من تدخل قلبى وأكون أول من يدخل قلبها ، لن أستطيع أن أعرض بعد اليوم بعض الأعمال التطوعية على أناس دون أن أردفه بالمقابل ، لن أدخل بعد اليوم المكان الذى أجد نفسى فيه أصغر الموجودين وأمهرهم أيضا ، لن أستطيع أن أنتظر الأتوبيس فى سعادة لأن ياقتى البيضاء ستعتاد على التاكسيات المكيفة .. لن أستمتع بعد اليوم باسمى مجردا من "أستاذ" دون أن اجتهد فى نصحهم بمناداتى به مجردا ، لن أسعد بعد اليوم بمنادتى به أيضا من قبل طفلة جميلة مجرد من "عمو" كما كان من قبل .. أهلا بكم فى عالمى الجديد .. عالم منتصف العشرينات ، إنه فى الحقيقة ليس محور ارتكاز لمرحلة مقبلة بين الـ 22.5 والـ 27.5 ، بل أخاله أيضا محور ارتكاز للعمر الخمسينى .


سيرتى المرئية

28‏/2‏/2010

اسمها منى

أسطرها فى ذكرى لقائها الأول الذى ما زلت أدعو المنان ألا يكون الأخيرا
...
ننفخ فى كفينا تدفئا ونحن واقفين على الرصيف بعد منتصف الليل نرقب عشرات الجموع التى ما زالت تتدفق على المدينة الساحلية الصغيرة ، يرن هاتفه فيرد عليه متلهفا كمن ينتظر خبر مولود سعيد إلى الدنيا ، ثوان وإذا به يتهلل ويكبر ويراجع محدثه أهذا صحيح هل تحقق الأمر بالفعل ؟ ، الله يعزكم .. الله يعزكم .. ويعزها ، أغلق هاتفه وتلقفت يداه ذراعاى يهزهما بحرارة : لقد فتحوا طريقا بريا ، وما هى إلا ساعة حتى ترى اللوحات المعدنية الخضراء على سياراتنا تتجول فى المدينة ، أستطيع أن أرسل من يحضرهم فالوضع أكثر أمنا الآن ، وفى لحظات أخذ يهاتف بعض الأشخاص ويتفق معهم على سرعة المجىء ، وتوخى الحذر ، والمكان الذى سينتظرهم فيه .

ساعة أخرى انتظرناها على الرصيف نرقب عشرات المركبات التى بدأت تتدفق على المدينة الساحلية الصغيرة ، أخذ يحكى لى كيف أن صغيرته ستطير فرحا بمدينتنا هذه ، فهى لم تر قبل ذلك أى مدن ، هى لم تخرج من سجنها الكبير منذ أتت إلى الدنيا ، قد حفظت كل الأماكن التى يمكن أن ترتادها وهى لم تتجاوز ست أعوام بعد ، يترقرق الدمع فى عينيه وهو يخبرنى كم كان يتمنى أن يأتى هذا اليوم الذى يستطيع أن يخرج بها وأمها وأخواتها فى طرقات لم يطئوها ، ومتنزهات لم يشموا روائح عطرها قبلا ، وشواطىء لم يتحسسوا ناعم رمالها بعد ، أغفيت قليلا وهو يحدثنى فقد كنت جد متعبا ، أشفق على وسمح لى بأن أسبقه للبيت وينتظر هو حتى يأتون .

ساعات من الليل وانفتحت عيناى على أشعة النهار وأصوات الريح تتلاعب بأمواج البحر وأوراق النخيل ، وإذا بصوتها يدوى فى أرجاء البيت ، يا الله لقد جاءت ، خرجت من غرفتى لأجدها أمامى غير منتبهة لى ، ترتدى معطفا ثقيلا يكاد يصل لأطراف أصابعها الصغيرة ، وتمسك بكيس من الحلوى التى ظهرت آثارها على فمها ولونت بها وجنتيها البدريتين ، لمحتنى بعيناها السوداوين فاخفت ابتسامة خجولة خلف أسنانها الصغيرة البيضاء وانزوت جانبا تلوذ بأخيها الصغير وتحنى رأسها للأرض ، لمست أناملى ذقنها رافعة وجهها الحيى إلى عينى : إذن أنت مُنى ، أجابت بتلقائية تريد أن تفلت بها منى : وهاد خوى إبراهيم ، وإختى ولاء الصغيرة هونيك (تشير إلى الغرفة المغلقة فى آخر الردهة) مع إمى ، وأخذت تجرى نحو الغرفة وتنادى : إمى إمى إمى .

ساعات من النهار وكنا نقف ثانية أمام البيت ،نحزم الحقائب ونتأكد من أن كل شىء على ما يرام ، يشكرنى على شىء حقه أن يوبخنى عليه ، ينظر لعيناى المنكسرتين فيربت على كتفى مخففا عنى :
- على الأقل اختلسنا ساعة من نهار .
- يمكنكم أن تبيتوا الليلة وتنطلقوا من الغد .
- لا يا أحمد قد طوقوا السوق ، وحمدت الله أن منى لم تراهم يفعلون ذلك ، كانت ستفلت ذراعى وترميهم بالحجر ، لم أخبرها بعد أن هناك يهودا خارج بلادنا ، وعلى كل حال لقد استمتعت اليوم ، شربت عصير القصب واشترت حليا لها ، أيضا زوجتى لم تشترى لها ولا للبيت شيئا منذ ثمانية أشهر ، ولا ندرى إن بقينا لليل فقد نفقد كل ما جمعناه فى الصباح .

نزلت وهى تنادى بأعلى صوتها وتجرى على : عمو أحمد عمو أحمد ، ما راح تاجى معنا .

لأجل خاطرك سآتى ، ولكن سأبيت عندكم ليلة واحدة فقط ، وبعدها تتركينى اتفقنا ، أخذت تهلل وتجرى حولى معلنة للجميع أنى سآتى معهم .

انتصب الطريق بنا فى طول غير معهود ، شعرت برأسى ثقيلة ترتطم بزجاج السيارة كل حين ، هؤلاء العشرات العائدين على جانبى الطريق قابلتهم بغير هذا الوجه فى الصباح ،أتذكر فرحة منى بالعريش ، بأسواقها التى لا تختلف عن أسواق غزة كثيرا فى الشكل لكنها ممتلأة وزاخرة ، بحدائقها الصغيرة التى لا تختلف عما رأته إلا بقدر المساحات السوداء التى تغطى بعض شجيراتها هناك ، شواطئها لا يفصل امتدادهما إلا تلك الزوارق المرابطة فى المياه من بعيد تعلن أن هنا بداية الشاطىء الغزاوى ، بعد ساعة توقفت السيارة على بعد بضعة مئات من الأمتار من مدينتهم ، نزل السائق يسئل عن سر توقف الطريق ، مئات من المركبات تغص بهم الطرقات من حولنا وكلهم ركود ، عاد السائق بعد هنيهة ، اتكأ بذراعيه على باب السيارة ، وأدخل رأسه عبر النافذة النصف مفتوحة موجها الحديث إلينا : لقد أغلق المعبر من ساعة ، إما أن تبيتون هنا للصباح وإما أن تسيرون من هنا – مشيرا إلى طريق ترابى يسلكه راجلون - على الأقدام إلى أن تصلوا .

نزلنا مضطرين ، أن تحاصر فى بيتك خير من أن تحصر فى بيت جارك ، هكذا قالوا ، وهكذا دفعنا للرجل مئة من الجنيهات فى مشوار لم يكن يحلم بأن يحصّل منه سوى عشرة جنيهات ، كما لم يكن يحلم أى سيناوى بأن يغتنى فى هذه الفترة القصيرة ، وأن يبيع بأضعاف أثمان ما كان يبعيه ، وأن يكون حصار أناس فى أرض كتب الله أن تجاورهم ، هو رخاؤهم وغناهم فى غفلة من الزمن ، بل فى وهدة من الأيام تكاد تذهب بالدماء التى نزفت على هذه الأرض المطهرة عبر الأزمان ، تركت أفكارى المصرية ترحل مع السائق و بدأنا فى المسير ، ها قد أذنت الشمس على المغيب ، وها قد بدأت أشعة غروبها تبث ألوانا من البؤس والحسرة على عشرات بل مئات من الوجوه السائرة من حولنا نحو مصير محتوم ، تلون وجوه الأطفل والنساء والكهول بألوان عشرات من شجيرات الزيتون التى نخترق أراضيها وصولا للسور ، كالمسروق منهم فرحة بالعيد ، فى مشهد طالما بكيت أمامه فى "التغريبة الفلسطينية" وفى "باب الشمس" ، فى مشهد لا يظهر منه إلا الأبيض والأسود فى عشرات من شرائط توثيق النكبة أراه هنا كامل الألوان ، يبعث فى النفس ما يبعث ، يحملنى على أن أعتصر يد منى من فرط الحرص وأنظر إليها كل فينة : منى تعبت أحملك قليلا ، لا أنا كبيرة مو متل إبراهيم وولاء ، أنظر إلى أبيها يحمل الطفل وإلى أمها تحمل حملين حمل فى رحمها عمره ثلاثة شهور وحمل على ذراعيها عمرها زهاء سنتين ، أهز رأسى موافقا وأكمل المسير ، ومع تصاعد الغبار- من المسير- الذى بدأ يتحالف مع خيوط الليل السوداء فى سد الآفاق من حولنا وجدنا أنفسنا أمام السور وعشرات من السلالم المنصوبة على جانبيه ليتمكن الناس من العبور بعد أن أغلقت المنافذ التى فتحت عبر اليومين الماضيين ، وما إن اقتربنا أكثر حتى وجدت هذه الأصوات المألوفة لدى تنادى : يالا السلم ب5 جنيه ، وابتلعت حسرة طويلة ، وانطوت نفسى على جمرات كدت أقذفها فى وجوههم المنفرة وأبواقهم المنكرة ، فلا يفصل بين السور – المهدم أصلا – والأرض إلا أقل من مترين ولولا صغيرتى لكنت صفعتهم ومررت .

......

"تكبير .. الله أكبر .. تكبير .. الله أكبر " " منصورة ما منصورة يا حماس منصورة " " أبا العبد .. احنا معاك .. أبا العبد " .. فتحت عيناى بصعوبة على هذه الأصوات ورحت أتلفت حولى ، فلم أجدها ، الأصوات تأتى من النافذة ، تتضح شيئا فشيئا إنها ليست إلا أصوات لأطفال ، لكنها تشبه مظاهرة صغيرة ، رحت على النافذة أفتحها سريعا فإذا بالضوء يعشى ناظرى قبل أن أتقيه بذراعى وأنظر بروية إلى حديقة المنزل لأجدهم يتوسطونها بأرجوحتهم المتواضعة ، وكقائد لكتيبة بذراعها تطيح منى بالأطفال على الأرجوحة ، وتزعق بصوتها : تكبير .. فيردون بصوت يهز المكان : الله أكبر ، أخذتُ أنفاسى بعدما اطمأننت أن الحرب لم تقم بعد ، وقبل أن أبتعد مرة أخرى عن النافذة لمحتنى فتركت الأطفال وجرت نحو سلم المنزل تنادى : عمو أحمد صحى .

دقائق ووجدتها تدخل على بصينية كبيرة ويحاول أبوها عبثا أن يساعدها وهى تأبى وتسرع بها حتى كادت أن تسقط الأطباق كلها على لولا أننى تداركتها متبسما : شطور يا منونة انت ياللى جهزتى الفطور لحالك .
- آه ، بس البطاطس لأ .
- أخذت تضحك هى وأبوها وأنا لا أعرف مغزى الطرفة .
أخذت تبدى دهشات مصطنعة وتقول : عمو أحمد انت تحب الطاطس ؟
- فأومىء بالإجياب وقبل أن أبدأ فى تلقينها درسا تربويا عن حب كل المأكولات لأنها رزق من الله ، تأخذ هى فى الضحك وتقول : عنجد تحب البطاطس الصفرا ، يعنى انت فتحاوى ، بابا عمو أحمد فتحاوى ، متل دحلان وأبو سميح
- أخذتنى ضحكة شديدة من فرط المفاجئة ، لكننى اصطنعت بعدها الجهل : ليش منى الفتجاوى مو منيح ؟
- زمجرت الفتاة وقطبت عن جبينها بشدة : لا مو منيح ، كيف يعنى منيح وهو ما بيحارب اليهود ، وبيطخ فى حماس ، ثم انقضت بيدها على حفنة من تلك الصوابع الصفراء ودستها فى فيها الصغير وهى تضحك .

أخذنى الإعجاب بذلك المجتمع الذى يصل أطفاله إلى هذه الدرجة من الوعى السياسى فى معركته الداخلية فضلا عن الخارجية منها ولكن رأسى لم تكن فى سعة من التفكير والتحليل الكثير وقتها ، فمنى تنظر إلى رد فعلى الواجم هذا ولا تفهم ما الخطأ فى حديثها ، حاولت أن أدير الموضوع : منى انت ما حكيتى لى إنك راح تعرفينى على عمو ، فهرعت إلى درج المكتب فى الغرفة وأخرجت صورة كبيرة احتضنتها بقوة وأتت بها إلى :

- شوف هذا عمى الشهيد إبراهيم ، أنا بحبو كتير ، ولما نستشهد متله راح نروح كلنا الجنة ونعيش من بعض ، مو هيك بابا
- توقفت الكلمات فى حلقى ولكنها أكملت
- شايف هاد الكلاشين تبعه ( وأخذت تهز رأسها وتقول بلهجة عجب ) عمو أحمد أنا بعرف أسلخ نار ، رحت مع بابا عالجبل وسلخت نار ، انت تعرف تسلخ نار عمو أحمد .
- غاصت الكلمات فى جوفى ، وتذكرت فورا ذلك الصوت الذى هز أركان المعسكر منذ وقت مضى "دفعة 87 تأجيـــــل" ومشهد مئات الشباب وهم يسجدون على الأرض فور سماعهم الخبر ، مشهد تلك الدولة التى أفلحت فى أن تنفر أجيالا بأكملها من السلاح فرارها من الأسد !
أشفق علىَّ أبوها وجذبها من بين ذراعى : منى ما راح تفرجى عمو على أساورك .
- فمدت إليها ذراعها الأيمن الممتلىء بحلقات بلاستيكية ذهبية وملونة وقالت فى دلال : ماما جابتها إلى من العريش ، حلوة عمو؟
- أمسكت بأناملها الممتدة وطبعت قبلة حانية على يدها الرقيقة مداعبا : انت أحلى يا منونة .


الشمس ساطعة والسماء تمطر بغزارة ، مشهد ودعتنى به سماء تلك المدينة المطهرة ، لا أدرى كيف شعرت ساعة الوداع أننى ما كنت هناك إلا بخلدى ، ما سافر معى جسدى كل هذه المسافات ، تركته هناك بأرضه ، أستلمته الآن على الحدود ، ألقيت به فى أول سيارة مسرعة ودعته من بعيد بقلب تركته عند مالكيه ، أخذت أغفو وتميل رأسى على زجاج السيارة المضبب ، أخذت أتخفف منه فى أحلام بعيدة ، أصوات الأطفال ، مذاق الزيتون ، زمجرة النيران ، دفىء البيوت ، ضربات مساند "القعدة العربى" التى تنهال فوق رأسى منها ومن أخيها، لوحات يتداخل فيها جسدى بجسديهما ، ألوان تتمازج فيها نبراتى بضحكاتها ، أمواج من البحر تتلاعب بخصيلات من شعرها ، ذرات من الرمل تتراسم بخطوط من أناملها ، أخذت أحلم بكل هذا طويلا طويلا ، ليالى وأياما ، لا أود عندما يراودنى أن أفيق ، ما بال موقظنى اليوم يصرخ فى أن أفق أفق ، فتحت عيناى قليلا ، ألقى على الخبر ، انقلبت من على الفراش وطاح جسدى فى الغرفة حتى استويت إلى جهازى وأخذت أقلب فى الشبكة وأكتب بحروف مرتجفة على محرك البحث فى الأخبار "نزار ريان" وما أن ظهرت النتائج حتى اختفى كل شىء من أمامى ، صحت صيحة عويل مدوية ، سقطت على ظهرى ، توقفت أنفاسى للحظة ، انعدلت إلى التلفاز ، وما أن رأيت الحلم محطما أشلاء حتى على صياحى وفر الدمع فى كل عروقى كالمذبوح ، حفرة عميقة حيث كان البيت العامر ، نيران ملتهبة حيث كانت الحديقة الغناء ، استشهد الشيخ ومعظم عائلته ، شهقت شهقة تنميت أن تذهب بروحى ، سقطت مرتجفا كالمشلول ، أجأر ببكاء لم تشهدة عينى من قبل ، فى محاولة يائسة ككل يوم – منذ بداية الحرب – أتصل بوالدها ، فى لقطة فريدة من الزمن أسمع صوته من بين الدمار ، مختنق بالدمع ، ملتفع بالصمود : أبى يا أحمد واتناش من عيلتى ذهبوا ، أمى يا أحمد ، إخوتى يا أحمد ، أخواتى يا أحمد ، أولادهم يا أحمد ، بناتهم ، خالاتى يا أحمد ، وما أحمد كى ينطق فى مثل هذا الموقف إلا ذهولا يردد بضعف : صبرا آل نزار إن موعدكم الجنة .. صبرا آل نزار إن موعدكم الجنة .

غابت البسمة عن عينى منى فى أحلام ما بعد الحرب ، وما الأحلام إلا سذاجات بنى آدم التى لا يسطيعها إلا بإغلاق أجفانه ، نعم لن أقوى على فتحها أمام عينها وقد ازدادت صمودا على ما كانت ، كيف ستكون إذن ، كيف بها تعرفنى إلى أهلها جميعا فى الصور ، ترصصها إلى جوار عمها إبراهيم ، جدها نزار ، زوجاته ، أعمامها ، عماتها ، لكنها تسرع إلى الغرفة المجاورة – كمن نسيت شخصا تريد أن أتعرف عليه – وتحمل بقوة على ذراعيها أخيها الذى مر على مدينتنا وهو فى رحم أمه ، تحمل نزار الصغير ، تحمل النبتة التى خرجت وتخرج بكل قطرة دم على هذه الأرض المطهرة ، أراها تقترب به منى ، إنها تكاد تلمس ذراعى ، لا إنها تغوض بأناملها فيه بقوة ، أكاد أشعر بطاقة تعترى جسدى كله ، أغمض عيناى أكثر ، تهز فى ذراعى أكثر وبقوة ، تنادى بصوت خفيض أنظر إلى ، افتح عينيك ، أبى أبى أبى : أستيقظ مذهولا من الكلمة ، تنظر عيناى فى سقف الغرفة المظلمة ، أتطلع إلى مصدر الصوت بجوارى ، أنزعج متسائلا : أروى .. ماذا بك يا صغيرتى !

تجيب الصغيرة التى بدأت تفرك فى عينيها اللامعتين برغم خفوت الأضواء : أريد أن أنام بجواركما .

أطبق بإصبعى على فيها : لا تسمعك أمك .

تنظر إلى بنظرة عتاب أضعف أمامها ، أسحب ذراعى من تحت الحالمة بجوارى كى ألتقف به صغيرتى مبتسما فى خبث تندرى ، وهى تكتم الضحكات بكل ما استطاعت ، حتى إذا استقرت بيننا همست : أما الآن فالحكاية أولا .

أحك رأسى مصطنعا التفكير : طيب الحكاية أولا .. كان فيه بنت اسمها .. اسمها .. اسمها !

تتسع عيناها كمن عرفت الإجابة وتلهفت إلى سماع القصة التى أرددها كثيرا ولا تمل منها وتقول بصوت واحد تتبعها ضحكات عالية : اسمها منى .


12‏/11‏/2009

أوراق عشرينية

إهداء
.........
إلى مَحضَن هذه الأوراق .. إلى بيتى الجليل .. أبى وأمى

ثم إلى كل من اقتت من حبها لإنشاء هذه الأوراق وإتمامها فى هذه السن من الحياة ...
2008



المقدمة

عمل كهذا لا يمكننى أن أضع الإهداء عليه هكذا عبثا أو من قبيل المجاملة ، أو حتى الذوق الاجتماعى ، الذى أسميه ( الكذب / النفاق ) الاجتماعى ، لكننى بحثت جديا عن الرابط الحقيقى والمستمر الذى مكـّن لهذه الأعمال - مجتمعة بين دفتى هذا الكتاب - أن تخرج للنور ، فوجدته فى ذلك البيت الذى ضمن لى قدرا من الاستقرار ، جعل من استمرارية هذه الأعمال ، وسيرها متوازية حينا ، ومتوالية حينا ، أمرا ممكنا ، هذا البيت لم أقصد به جدرانا ولا أثاثا ، ولكن قصدت به والدى وأمى ، فكما ذكرت هما محضن هذه الأوراق بلا منازع .

ولكن يبقى من أعطانى قوة الدفع ، ومن يزودنى الفينة بعد الأخرى ، كى أمضى قدما فى هذه الأوراق ، ومن فى سبيله أيضا قررت أن أجمعها وأخرجها دفعة واحدة ، يبقى الحب ، ذلك الثوب الموشَّى الذى تلبسه كل حين إحداهن وتأتلق فيه ، فيبعث من ألقه طاقة لا تخبو إلا بقدر ما تنزعه هى عن نفسها ، أعترف أن هذه الطاقة كانت طاقة عطاء منى لا أخذ ، نعم فلم تزودنى أيا منهن بطاقة الحب تلك ، ولكن أنا من زودت نفسى بنفسى ، وإن أخذت منهن وسيطا لذلك ، أتكلم عنهن وكأنهن كثيرات ، ولكنهن واحدة ، واحدة فى حلمى ، عديدة فى صحوى ، ليس لها وجود فى واقع حياتى ، أتمنى فعلا أن تحل ، وأن تلازم ثوبها ولا تنزعه عن نفسها أبدا ، وأن تعطينى ما بذلتـُه لها طوال السنوات الأربع أو الخمس ، وأن أخرج الطبعة الثانية وعليها الإهداء لها اسما لا رسما .

أما عن الكتاب فإنه مجموعة من الأعمال التى تم إنجاز معظمها فى عامى 2007 / 2008 ، وعلى التحديد من يوم ميلادى العشرين إلى الواحد والعشرين ، هذه الفترة التى خرجت فيها بعض كتاباتى إلى النور من خلال المدونات الإلكترونية التى أنشئت منها خمسا خلال هذا العام ، والبعض الآخر من خلال العمل المهنى أو الدعوى المنشور فى بعض المواقع والمجلات ، أو النهضوى المنفذ على أرض الواقع .

وقد دفعنى إلى تجميع ذلك إثبات نظريتى فى أن فتية هذه الأمة - وأنا واحد منهم – لديهم الكثير لكى يقدمونه فى هذه السن ، وحتى لو لم تقدم أى دار نشر على الطبعة الأولى هذه ، أو بالأحرى لم أحاول أنا ، فأنا متيقن من أن خروج طبعات تالية سيكون على نطاق أوسع .

وقد قسمت هذه الكتابات إلى ثمانية فصول :

يأتى الفصل الأول ببعض الكتابات الأدبية التى كتبتها حول مواقف مررت بها فى حياتى أكثرها فى الحب ، وليس فيها إلا حلقات " عائد من غزة " التى خرجت عن هذا الإطار ، وهى تبدأ بـ " عندى عشرون " ، وتنتهى بـ " الحادى والعشرين " ، وتتخذ من القصة القصيرة شكلا فنيا لها فى معظمها .

الفصل الثانى حشدت فيه معظم المقالات السياسية التى كتبتها فى أعقاب الأحداث المتعلقة بها ، سواء المنشورة على مدونتى أو المنشورة فى مجلة " خطوة " التابعة لنموذج منظمة المؤتمر الإسلامى ، ومعظمها أعمال تعلقت بغزة وحماس ، ولا يخرج عن هذا المضمون سوى مقالة عن أحداث المسجد الأحمر بباكستان ، وأخرى عن استقلال كوسوفا .

الفصل الثالث يتضمن الأعمال البحثية التى قمت بها ، ومنها الاجتماعية كبحث " الحتمية العمرية للزواج " ، ومنها الدينية كـ " لنعلم من أين نؤتى " ، ومنها المحقق كتحقيق " الذئب المزيف " ، ومنها عرض لكتب فى مجال الفلسفة الإسلامية ، وفى نهايته عرض لدراسة قمت بها مع زميل لى فى مجال تدريس اللغة العربية للأجانب .

الفصل الرابع عن بعض الرؤى و النظريات العامة التى نظـَمتـُها وهى ثلاثة ، واحدة فى الحب ، والأخرى فى الثورة وتطبيقها على نموذج مجمع اللغة العربية " أبجد " ، والأخيرة فى حركة البناء النخبوى ، تحت مسمى " الفراقد " .

الفصل الخامس عن بعض المشاريع التى قمت بها ، ضمن فريق عمل ، كمشروع البرنامج والنشرة الشبابية ، أو قمت بصياغتها منفردا ، ثم طبقت ضمن فرق عمل ، كنموذجى مجمعى اللغة العربية والبحوث الإسلامية " أبجد – أسلم " .

الفصل السادس يحتوى ست مقالات فى مواضيع شتى منها اجتماعية ، ومنها ثقافية ، وأخرى فنية ، ومنها ما نشر فى مجلة " خطوة " ، أو ما نشر فى مجلة " المنبر " .

الفصل السابع خصصته لأعمالى الصحفية مقسمة على ثلاثة أبواب ، الباب الأول بعض القطع الصحفية الخاصة بالكلية أو الجامعة والتى لم أنتجها لجهة معينة ، ونشرت فى " المنبر " ، أما الثانى فهو تغطيات لبعض الفعاليات الثقافية التى كنت أداوم على حضورها ، والأخير مجرد عناويين لثمان وثمانين قطعة صحفية نشرت لى على جريدة المصريون الإلكترونية .

أما الفصل الثامن والأخير فبه أختم بست مقالات لخواطر لى تقع جميعها فى الشق العاطفى من الحياة .


........................................................................................................................................................

الفهرس ( بالروابط المتاحة )

المقدمة ................................................................... 2

الفصل الأول : قصص ذاتية

عندى عشرون ........................................................ 5
أخيرا خطبت .......................................................... 9
مئوية حلمى ......................................................... 13
حالة حب ............................................................ 15
ليست معى ........................................................... 22
غريم الشجن ......................................................... 24
كن كالسحابة .. تمطر حبا.............................................. 28
عائد من غزة (1،2،3،4) ............................................. 30
الحادى والعشرون .................................................... 39

الفصل الثانى : المقالات السياسية

قمة حماس وقاع عباس ............................................... 44
غزة .. حقائق وأباطيل ............................................... 47
غزة .. نزيف الحصار ................................................ 56
مصر بتلعب .. إسرائيل بتضرب .. غزة بتولع ........................... 58
المسجد الأحمر .. ودروس للأمة ....................................... 60
هل نعترف باستقلال كوسوفا ؟ ........................................ 67

الفصل الثالث : البحث العلمى

1- الأبحاث :
الحتمية العمرية فى الزواج ......................................... 70
الإساءة مجددا ( انتصاف الغرب للنبى الكريم ) ........................ 92
تحليل توصيفى لبعض مقررات تعليم العربية لغير الناطقين ............. 199
2- عرض كتاب :
الاستشراق والتبشير ............................................. 215
15 التجسيد والصلب ............................................. 226
المنن الكبرى .................................................... 230
كتب فى الأدب ................................................... 245
3- تحقيق :
مخطوطة " الذئب المزيف " ....................................... 263


الفصل الرابع : النظريات

الفراقد .. نظرية فى البناء النخبوى .................................. 283
أبجد .. تجربة فى النهوض الثورى .................................. 305
أرود .. رؤية فى الحب الطاقوى ..................................... 316

الفصل الخامس : المشاريع

برنامج من قلب الجامعة
نشرة إخبارية شبابية
نموذج مجمع اللغة العربية ( أبجد )
نموذج مجمع البحوث الإسلامية ( أسلم )

الفصل السادس : مقالات متفرقة

إنما تنتزع الحقوق ولا تستجدى
حرب الدوائر
ب ر ق
الضمير العربى والتكريس لحالة الانهزام
شجر الليمون
تأخر الزواج ومجانية التعليم


الفصل السابع : الأعمال الصحفية

تغطيات خاصة
عناوين المصريون

الفصل الثامن : خواطر

أنت وعصرك .. التأثير والتأثر
إحساسان فى آن
وانفتح الجرح

دماء فلسطين .. وطعنات خائنين
ليلة سقوط الخلافة العثمانية

25 يوم وخواطر عالقة
انكسرت .. انتصرت !

المؤلف مسطورا .......................................... 398

8‏/11‏/2009

أبجد .. تجربة فى النهوض الثورى (1)



تجربة .. نهوض .. ثورى .. أبجد ، أربع كلمات وردت فى عنوان العمل ، يجب أن ألقى عليها بعض الضوء قبل الشروع فيه :

تجربة .. هنا بمعناها العلمى أى تتبع الخطوات التالية :

1- تحديد حقل التجربة وموضعها .
2- قراءة ورفع للواقع ، وجمع للمعلومات فى هذا الحقل الذى سيجرى العمل فيه .
3- البدء فى تنظيم المعلومات ، و التوفيق بين هذه العناصر المتجمعة لدينا .
4- وضع الفروض لنجاح التجربة ، ثم البدء فى تجريب الفروض ، ومع فشل صحة كل فرض يصبح لدينا طريقة خاطئة تؤكد اقترابنا من الطريقة الصحيحة .
5- الوصول إلى الفرض الصحيح الذى يوصلنا للنتيجة المرادة من التجربة ، ومن ثم تطبيقها على الحقول والمجالات المشابهة .

النهوض .. هو ذلك العمل الحضارى الذى يعزم عليه مجموعة من المجتمع القيام به ضد حركة ركود أو بطء حضارى فى المكان والزمان الحاويين لهم .

الثورى .. هو الطريق أو الوسيلة التى يتخذها العمل النهضوى مقابلة بمناهج نهضوية وتغييرية أخرى ، وهو لا يعنى العنف أو القسوة فى طريقة توقيع التجربة النهضوية ، ولكن يعنى أن هذه التجربة تقطع تماما بين ما قبل التجربة وما بعدها ، وتنفصل انفصالا تاما عن معطيات الواقع ، فتحدث بذلك ثورة فى الواقع المركوم .

أبجد .. هو نشاط طلابى استطاع أن يغير من قواعد العمل الطلابى فى كلية دار علوم – حقل التجربة – أو بالأحرى استطاع أن يكسر كافة قيود العمل الطلابى فى هذه الكلية ، وقد مر بأطوار عدة على مدار أربعة أعوام ، واستوى على سوقه فى آخر فصل فى هذه الأيام ، وهذه التجربة تحمل فكرى الخالص فى رؤيتى للتغيير وللعمل النهضوى فى فترتنا الحالية على مستوى الجامعة ، وعلى مستوى القطر المصرى ، ومن ثم الحالات المشابة فى العالم الإسلامى .



أولا : حقل التجربة ( دار العلوم ) :

هى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، ولن أخوض فى تاريخ هذه الكلية الذى يسبق جامعة القاهرة نفسها ( أول جامعة فى مصر ) بثلث قرن من العطاء ، ولن أسرد أيضا رجالها الأفذاذ من العلماء والأدباء والمصلحين والمجددين ويكفى أن منهم أمثال حسن البنا وسيد قطب ( وذكرهم هنا من ناحية قوة التأثير ومداها ) ، ولن أعدد أيضا المواد التى كانت تقرر فى هذه المدرسة – قبل أن تصبح كلية – ولا تاريخ تطورها الطويل ، ولكننى سأركز أكثر على واقع هذه الكلية وما آلت إليه بعد انضمامها إلى جامعة القاهرة (1946) . حيث أصبحت متخصصة فقط فى العلوم العربية والإسلامية ، موزعة على أقسام : النحو والصرف والعروض ، الدراسات الأدبية ، البلاغة والنقد الأدبى والأدب المقارن ، علم اللغة والدراسات الشرقية والسامية ، الشريعة الإسلامية ، الفلسفة الإسلامية ، التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية .

وتدرس مواد هذه الأقسام على مدار أربعة أعوام بلا تخصص إلا فى مرحلة الدراسات العليا مما يجعل الطالب ملم باللغة العربية إلمامه بالشريعة الإسلامية ويستعين بتلك على هذه ، وبهذه على تلك ، وهو فى ذلك قد يجمع مالا يجمعه الطالب الأزهرى الذى يتوزع ما بين كلية لغة عربية أو كلية أصول الدين أو شريعة أو دعوة ، ذلك فإن لائحة دار العلوم هى الوحيدة التى تسمح لطلاب وطالبات المدارس الأزهرية بالالتحاق بها ، وبذلك تعد حلقة وصل مهمة بين مؤسسة الأزهر ، والجامعات المصرية ( حيث أنشأ للكلية مؤخرا فرع فى الفيوم وآخر بالمنيا ) .

هذا على مستوى المحتوى والمضمون الذى يؤهلها لكى تكون رائدة للإصلاح ، ومحضنا للفكر والتجديد الإسلامى ، ومصنعا للإسلاميين قادة ونخبا ، أما على مستوى الشكل فهى تعد كلية داخل الحرم الجامعى تسرى عليها كافة أوضاع الكليات ولوائحها ، بل وتزيد عليهم لخصوصية وضعها ، فالبعض يعتبرها جسدا غريبا على نسيج الجامعة يجب لفظه ، والبعض الآخر يعتبرها نقطة مضيئة ، وعلامة صحة ، فى هذا النسيج الجامعى .

إذن فمجال التغيير والتجريب فى هذه الكلية يصلح لأن يكون من ناحية مجالَ تطبيقٍ للعمل النهضوى فى الفكر والحركة الإسلامية ، وبالتالى يصلح للتعميم أو الاحتذاء على الأقل ، ومن ناحية أخرى يصلح لأن يكون نموذجا للإصلاح على مستوى أى كلية فى الجامعة ، ثم على مستوى الجامعة نفسها ، والتى هى جزء من هذا الوطن ، وتدار بنفس الطريقة التى تدار بها المؤسسات الأخرى التى تحتاج إلى عمل إصلاحى لتقويمها وتطويرها .

ثانيا : رفع الواقع :

أ - الفئات والقوى :

من جانب الفئات فإن الكلية تتوزع فئاتها – على الترتيب من حيث العدد – على الطلاب والأساتذة والموظفين ، وتتكون ست قوى من هذه الفئات – على الترتيب من حيث التأثير – الأمن وطلاب الإخوان والإدارة واتحاد الطلاب والطلاب العاديين .

وإذا نظرنا إلى ما يقابل هذه القوى خارج الجامعة سنجد أن قوة الأمن تأتى على رأسها ثم يتفاوت مدى تأثير القوى المسيسة كالإخوان وغيرهم مع الحكومة ( والتى هى الإدارة ) ، ثم يأتى أعضاء مجلس الشعب كنظير لاتحاد الطلاب ، والمنتخبين من جموع المواطنين ، والقاعدة العريضة منهم كالطلاب العاديين الغير مؤثرين .

ب - قواعد العمل الطلابى :

لا يمكنك أن تتلمس قواعدا محددة للعمل الطلابى داخل كلية دار العلوم بالذات ، لأنها أحيانا تساير القواعد العامة التى تعمل بها الجامعة بحجة أنها كلية داخل الحرم الجامعى يسرى عليها ما يسرى على باقى الكليات ، وأحيانا تخالف كل قواعد الجامعة وتزيد فى تعقيدات غير موجودة فى بقية الكليات بحجة أن لها خصوصية ، وهذه الخصوصية هى إدعاء أن بها أكبر قاعدة لطلاب الإخوان المسلمين ، وبذلك فإن التدابير الأمنية الزائدة هى فى صالح الكلية حتى لا تتم " أخونة " الكلية كما يدعون ، وبالطبع فإن حقيقة القاعدة الأكبر للإخوان فى الجامعة لهى حقيقة قديمة –تغيرت الآن بالطبع - يعرفها رجال الأمن جيدا ، ولكنها فقط تقف كحجة يلوكها بعض الأساتذة والموظفين الإداريين لسن المزيد من القوانين المقيدة للعمل الطلابى .

وبوجه عام فإن الجهاز الرسمى للتعامل مع نشاط الطلاب فى الكلية هو جهاز رعاية الشباب بالكلية ، والذى هو خليط من أساتذة وموظفين إداريين مسيطرٌ علي معظمهم من قبل قيادة حرس الكلية ، ويساعدهم طلبة مجندين لإدارة الصراع مع أى قوة طلابية غير مرغوب فيها ، وهذا الجهاز يتعامل مع كافة طلاب الكلية المنقسمين إلى :

1- طلاب دار العلوم المستهدفين من خدمات رعاية الشباب التعليمية كطباعة الجدول وملازم الامتحانات ، والخدمية كتعليق الملصقات واللوحات الإرشادية وعقد الدورات الحرفية ، والترفيهية كالرحلات والحفلات .

2- الطلاب المحظورين وهم فى أغلبهم من طلبة الإخوان ، وهم محظورون من التعامل الرسمى كدخول الانتخابات أو استلام دعم الكتب فى بعض الأحيان .

3- طلاب النشاط ، وهم الطلاب المعتمدون داخل رعاية الشباب ، ويمثلون الطبقة التى يتم اختيار اتحاد الطلاب منها ، فكما أن الحكومة لا تختار إلا من أعضاء الحزب الوطنى ، فإن اتحاد الطلاب لا يتم اختيارهم إلا من الفئة المسماه بـ " طلاب الأنشطة " ، والتى يصدر باسمها كافة الفعاليات إبان فترة انتخاب الاتحاد الجديد فى كل عام ، ولا تحتاج عضوية هذه الفئة إلى انتخابات أو ترشيح وإنما هى عرفية ، تسحب على كل من يقدم خدمات للرعاية ويعمل تحت مظلتها .

أما القنوات الشرعية التى يعتمدها هذا النظام كقنوات رسمية للنشاط داخل الكلية فتتمثل فى :

1- اتحاد الطلاب :

وهو المنظومة الأساسية التى تمثل الطلاب داخل أى كلية ، وتعمل على توفير احتياجاتهم ، وتلبية مطالبهم ، والترشيح فى انتخابات هذه الاتحادات مسموح لكل الطلبة ما عدا الباقون للإعادة والموقع عليهم عقوبات تأديبية بناء على قرار من مجلس تأديب محالون إليه من قبل الشئون القانونية فى الكلية عن طريق التقارير الأمنية فى معظم الأحوال ، أما الفائزون فى هذه الانتخابات فيشترط فيهم – عرفيا – أن يكونوا من طلاب الأنشطة الموثوق فى تبعيتهم لرعاية الشباب .

2- الجماعات الثقافية والجمعيات العملية :
وهى جمعيات تتبع لجان معينة فى الاتحاد وعلى رأسها اللجنة الثقافية ، ولكنها مستقلة فى إدراتها حيث يترأس كل جماعة عضو هيئة تدريس – فى الغالب معيد – ويباشر بنفسه عمل هذه الجماعة بتنسيق غير مباشر مع رعاية الشباب .

3- أسر الكلية :

وهى أشبه بالنظام الحزبى الصورى حيث تتبع هذه الأسر لجنة فى الاتحاد وضعت باسمها ( لجنة الأسر ) ، ويشترط لكل أسرة عدد من المؤسسين لا يقل عن خمسين طالبا وطالبة بدون أى شروط ، وتوقيع أستاذ كرائد للأسرة ومعيد كأمين للصندوق ، وفى الغالب يتم إلغاء ورق الأسر التى يمثل فيها الطلبة المحظورون النسبة الأغلب ، وهذه الأسر يتم وضع لوائح خاصة بها ، وتجدد كل عام بقيود أكثر لضمان عدم خروج أى أسرة عن الخطوط المرسومة من قبل رعاية الشباب .

إذن فمجمل قواعد العمل الطلابى تتسم بأنها :

1- محددة بزمان ومكان ، فلا أنشطة قبل انتخاب الاتحاد ولا أنشطة بعد حفل ختام النشاط ، ولا نشاط للأسر فى الفصل الدراسى الأول بإطلاق ، وبالطبع فإن المكان الممارس فيه النشاط هو أروقة الكلية فقط ، اللهم إلا إن كانت مسرحية أو حفل ضخم فيعقد فى مسرح الجامعة ، أو رحلات بإشراف ممثلى الرعاية .

2- لا تتم بإرادة كاملة للطلبة حيث يشترط فى أى نشاط أن يشرف عليه موظف من رعاية الشباب بالإضافة إلى عضو من هيئة التدريس ، فلا تخرج أى ورقة من رعاية الشباب ، ولا تعلق إلا وعليها إمضاء وختم مدير إدراة رعاية الشباب ، ولا يعقد أى اجتماع لأى مجموعة من القنوات الثلاثة الشرعية السابقة إلا ومعهم الموظف المختص أو عضو هيئة التدريس المسئول أو كليهما ، وأى اعتراض من أحدهما يوقف فورا أى خطوة يتخذها الطلبة .

3- لا تتمتع بالجدة أو الإبداع حيث يتم عملية قولبة لمعظم فعاليات الأنشطة ، فالجماعات مثلا كجماعة الشعر أو الإلقاء يقتصر دورها فى المهرجانات واللقاءات داخل الكلية فقط ، والأسر يحدد نشاطها فى مجلة حائط ودورة ثقافية وندوات ( خمس ندوات فقط ) ، ورحلات تقسم أيضا إلى رحلة واحدة داخلية ( فى القاهرة ) ، وأخرى خارجية ( إلى إحدى المحافظات ) ، وهكذا .

4- لا تتم الموافقة عليها إلا بعد مدة من الزمن ، فلا يتم الموافقة مثلا على تعليق مجلة حائط إلا بعدها بأسبوع ، وإن كانت كل هذه المدة من أجل مجلة حائط ، فإن الندوات أو الرحلات تحتاج إلى أكثر من ذلك ، وتحتاج أيضا إلى عدم معارضة أمن الكلية .

5- عدم الاستمرارية ، فهى فعاليات متفرقة غير منظمة فى نسق موحد ، كأن تكون دورة على مدار العام ، أو سلسلة محاضرات أو فعاليات فى اتجاه واحد ، وكل عام يأتى من يبدأ من جديد أو يكرر عمل أسلافه فى العام الماضى ، ولذلك فإن الكثير من الأسر الطلابية مثلا تموت بتخرج أعمدتها .

ج - مستوى أداء الكلية :

كلية دار العلوم كلية لها تاريخ واسم كبيرين ، وقد ظل هذا الاسم وحده يعطى للمنتسب إليها ثقلا أيا كان مستواه ، ولكن بالنظر إلى العقود الثلاثة الأخيرة فى الكلية نجد أن مستوى أداء الكلية قد هبط كثيرا عن سالف عهده قبل وإبان انضمامها لجامعة القاهرة ، بحيث احتفظت بقيمتها فى ذاكرة من عاشوا عقودها الذهبية فى أوائل ومنتصف القرن الماضى ، ولكنها توارت من مشهد الأجيال الناشئة ، ولا أذكر أن طالبا فى صفوفنا الثانوية ذكر أمامى هذه الكلية ، وعندما قابلت اسم الكلية فى أوراق التنسيق سألت عنها كثيرا حتى عرفت عنها بعض المعلومات ، وإلى الآن عندما أذكر أمام أكثر الشباب أننى خريج كلية دار العلوم ، يتسائل مباشرة : وما الفرق بينها وبين كلية العلوم ؟ ، ويرجع هذا الأفول للكلية لعدة عوامل :

1- ذهاب أعلام الكلية الكبار .
2- ضعف المناهج الدراسية .
3- التوجهات الرسمية لإضعاف مكانة الكلية .

وشرح هذه العوامل قد يحدث إطالة وخروجا عن صلب الموضوع ، ولكن إذا بدأنا مع العامل الأول نستطيع أن نقول أن أعلام الكلية الكبار من حيث الثقل والتأثير كانوا من الكم والكيف الذى لا يقارن تماما بمستوى أداء أساتذة الكلية وطلابها ومن ثم خريجها فى كافة مواقعهم ، وهذا العامل مرتبط أيضا بالتخفف الذى اعترى الكثير من موادها ، ويحكى لنا أساتذتنا عن مقدار الحفظ المقرر من القصائد منذ ربع أو ثلث قرن فقط فنجد ألا مقارنة بين ما وصل إليه الآن ، أما العامل الثالث فهو المهيمن على السابقين فمن أول تهميش دور الكلية الرسمى ، إلى الاستمرار فى وضعها فى زيل القائمة على لائحة التنسيق ، وحتى إيداعها فى المبنى الكائنة فيه حتى الآن منذ دخولها جامعة القاهرة وهو عبارة عن مبنى معامل وورش تابعة لكلية الهندسة وغير معد للمحاضرة فيه على الإطلاق ولا يليق بتارخ الكلية إطلاقا ، ولم يدخل حتى فى التطويرات الجديدة التى طالت الكثير من مبانى الجامعة فى مئويتها !

ولبيان هذا العامل الثالث وأنه ليس عبثا من القول ، أو مجرد حملا على نظرية المؤامرة ، أعتقد أن هناك نظرة ساذجة تتعامل معها المؤسسة الرسمية للدولة مع كلية دار العلوم بنفس المنطق الذى تعاملت معه مؤخرا مع حركة حماس فى الخارج ، حيث تعتبر الدولة أى ارتباط فى الجذور بين أى جهة أو مكان مع جماعة الإخوان المسلمين – وهى كبرى الحركات الإسلامية فى العالم - يعد تعضيضا لهم ، وأن إضعاف هذه الجهات هو إضعاف للجماعة أو لمحاضنها ، وبذلك تعاملت فى الخارج مع حماس لأنها فى الأصل فرع للإخوان المسلمين ، ومع دار العلوم لمجرد أنها خرجت أهم رجلين فى تاريخ الجماعة على الإطلاق وهما المؤسس الإمام الشهيد حسن البنا ، والمفكر الشهيد سيد قطب ، فكأنها لا تريد المزيد من إخوان هذا الطراز .


ثالثا : ترتيب المعطيات وتوظيفها :

قد يرى الكثير أن هذه المعطيات غير متناسقة ولا تصلح لأن تنتظم فى تجربة واحدة تصلح نتائجها لشىء من التعميم على العمل النهضوى ، لكن المدقق يرى أنها جمعت أقطابا لا سبيل لجمعها فى مكان آخر ، وأن كل العناصر التى تحدثنا عنها آنفا ما هى إلا رموزا لهذه المرحلة الزمنية التى تعيشها الحركة الإسلامية مع الوضع السياسى والاجتماعى الراهن ، مع هذا الجيل التالى لجيل الصحوة والمفترض أن يكون طليعة لأجيال النهضة الإسلامية .

أيضا


رابعا : مرحلة الفروض وتجريبها :

ستدخل هذه المرحلة فى التفاصيل الشخصية التى خضتها بنفسى ، ولكنها تعتبر شخصية غير ذاتية ، إنما هى موضوعية لأقصى درجة ، أو هكذا أريدها وأقصد من وراء عرضها .




1- مرحلة كشف المسرح

2- جماعة الصحافة

3- برلمان شباب الجامعة

4- حزب العمل

5- مجلة المنبر

6- جماعة الإلقاء

7- حركة جامعتنا

8- أسرة فرسان النور



1- مرحلة كشف المسرح :


عند دخولى للكلية وفى عامى الأول ، كانت أمامى عشرات الطرق التى من الممكن أن أسلكها لتحقيق مآربى فى الكلية ، وكان لابد من أن أعطى لنفسى فترة أحدد من هذه الطرق طريقين أو ثلاثة أركز عليهم لأكتشف الأقوى منهم ، وأعتمده سبيلا لى بعد ذلك ، ولذلك كانت هذه الفترة هى السنة الدراسية الأولى كاملة حيث تم التعامل مع أربعة سبل ، استطعت أن أتخذ فى أول سبيلين منهما موقفا واضحا ثابتا على مدار الأربع سنوات ، وقررت أن أخوض فى السبيلين الآخرين وغيرها بعد ذلك :

أ . الإخوان المسلمين :

لا يمكننا أن نتثبت من انتماء فرد لجماعة الإخوان المسلمين إلا بعد أن ينهى المرحلة الثانوية ، فالجامعة هى المحك الرئيسى الذى يثبت للشخص أنه من الصف الإخوانى أو خارجه ، ولذلك فإن الجماعة تعتمد دائما على معسكر انتقالى يشارك فيه شباب ثانوى ليتم بعد ذلك تسليمهم ، أو تخريجهم إلى الجامعة ، وبذلك يضاف إلى الشاب بجانب الدعوة فى المنطقة ( المكان الذى يسكن فيه العضو ) ، الدعوة فى الكلية ، ويكون له مسئولين مسئول المنطقة ، ومسئول الجامعة ، وشغل الجامعة فى هذه المرحلة يصبح أهم وأولى من شغل المنطقة .

وبالفعل اشتكرت فى المعسكر الانتقالى بين المرحلتين الثانوية والجامعية ، وقد جاء ذلك تتويجا لنشاطى مع الإخوان خلال فترة الثانوى ، وكان معسكرا رائعا للغاية ، وتعد أيامه الأربعة من أعلى القيم التى حصلت عليها من الإخوان حتى الآن ، ومعظم من كانوا معى فى المعسكر ( العريش 2004 ) أصبحوا الآن مسئولين فى كلياتهم المختلفة حتى أننى قابلت أحدهم بعد أربع سنوات واكتشفت أنه أصبح مسئولا للإخوة فى الجامعة الأمريكية .

لكننى لم أسر على نفس النهج ، فمن أول يوم رأيت فيه الإخوان فى الجامعة ، أعملت نظرتى الناقدة ، فوجدت أن أدائهم ضعيف وتقليدى للغاية ، ومساحة تأثيره أضعف ، فمفردات النشاط تتكون من اللوحات الورقية المكتوبة بخط اليد أو المطبوعة ، المزيلة بالتيار الإسلامى ، أو الكلمات فى المدرجات التى تشبه الإذاعة المدرسية تماما بتمام حيث تبدأ بالقرآن ثم حديث النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم تختم بالأنشودة ، أو المعارض والمهرجانات التى تتضمنها الحملة السنوية ، هذا بالإضافة إلى حركة الرد الفعلى الثابتة سنويا ، وهى الدعاية الانتخابية ، ثم الاعتراض على الشطب من قوائم الترشيح ، فالاعتراض على منع أسرهم من النشاط ، وأخيرا الاعتراض على المجالس التأديبية الثابتة ، والوسائل محفوظة ومكرورة : مظاهرة ، اعتصام ( لا يتعدى يوم دراسى على الحد الأقصى ) ، مفاوضات مع العمداء ورئيس الجامعة ، إضافة إلى استخدام نفس الأساليب فى التعامل مع القضايا العامة على مستوى القطر المصرى أو العالم العربى والإسلامى كالإصلاح السياسى أو القضية الفلسطينية .

لم تعجبنى هذه الوسائل والأساليب سواء فى الفعل أو فى رد الفعل ، وأهم ما كنت أركز عليه – فى نقدى – هو مقدار التأثير الذى تحدثه هذه الفعاليات ، سواء على مستوى الطلبة المستهدفين ، أو على مستوى الجهات التى يُعترض بين يديها على هذه الممارسات ، فقررت ألا أنضم للعمل الإخوانى فى الجامعة ، بشكل رسمى ، وأحدث هذا القرار شيئا من الصدمة عند من هم فوقى فور اكتشافهم ذلك فى أول معسكر بعد دخولنا الجامعة ( الإسماعيلية – أول إجازة نصف عام فى الجامعة ) ، ولكننى حاولت أن أسرد وجة نظرى وأننى مستعد ومقتنع بالعمل فى المنطقة ، بعيدا عن الانخراط فى الجامعة ، وكان من ضمن الأسباب التى أحدثت شيئا من الاقتناع عندهم هو التفوق فى الكلية ، وطموحى إلى الانضمام لهيئة التدريس .

وقد ظلت علاقتى بإخوان الكلية ومسئوليها على درجة كبيرة من المتابعة ، فلم يكن هناك أى فعالية جماعية ( مظاهرات / مؤتمرات / مهرجانات .. إلخ ) ، إلا كنت موجودا فيها خاصة بعد أن انضممت للصحافة بداية من الفرقة الثانية فى الكلية .

والخلاصة أننى لم أكن بمنئى عن كبرى الحركات الطلابية العاملة فى الجامعة ( الإخوان المسلمين ) ، وكنت محسوبا فى البداية عليها ، أو بمعى آخر كانت مسارا طبعيا لى ، إلا أننى لم أقتنع بأدائها فى الجامعة وأخذت أبحث عن سبيل آخر لمزيد من التأثير فى العمل الجامعى .

ب . اتحاد الطلبة :

كشخصية قيادية تستثيرنى الاتحادات الطلابية ( خاصة أننى فى آخر كل مرحلة دراسية أصبح رئيسا للاتحاد العام كما كنت فى الصف الثالث الإعدادى والصف الثالث الثانوى ) ، ويصبح لقب رئيس اتحاد الكلية أو الجامعة من الألقاب التى أرنوا إليها كمبدأ عام ، لكن الوضع فى الجامعة جد مختلف عن الوضع فى المراحل السابقة ، فاتحاد الطلبة فى الكلية هم مجموعة يتم انتقائهم من شريحة معينة من الطلبة المرغوب فيهم ، ويتم استخدامهم فى أطر محددة معينة ، وأول ما لفت انتباهى فى الأمر وجعلنى أنفر من هذه الفكرة هو الناتج الذى يخرج من هذه الاتحادات ومنها مثلا اللافتات الإرشادية ، واللوحات الورقية التى توزع فى كل مكان منافسة للافتات الإخوان ، والشاهد أن لافتة منها لا تعلق إلا وعليها ختم رعاية الشباب وأيضا إمضاء مدير رعاية الشباب شخصيا ، وهذه مهزلة ما بعدها مهزلة ، فكيف يتم انتخاب هؤلاء الطلبة ، وبعد أن يتأكدون من ولائهم ويتحرون الدقة عنهم ، ويتم غربلتهم ، وبعد كل هذا ، يسحبون تلك الثقة – التى أعطاها بقية الطلاب لهم – مع أول جرة قلم على لوحة من اللوحات ، لأن معنى هذا التوقيع أن هذه اللوحة لم تكن لتعلق – حتى لو كانت بإرادة الاتحاد – إلا بموافقة مدير رعاية الشباب ، والذى هو علاوة على كونه موظف فى الكلية ، تابع تبعية شديدة لمكتب قائد حرس الكلية ، وبالتالى فهى دائرة مغلقة ليس فيها أى قيمة ، ومسرحية زائفة لا يقبل أن يصعد على مسرحها إلا الأراجوزات فقط ، ومن يكتشف أنه ممثل أو لاعب حقيقى يتم إنزاله من على المسرح فورا .

الأمر الآخر الذى أثبت لى أن الاتحاد ليس فقط " أراجوزات " ليس لها حول ولا قوة ، بل وأن محركى هذه الأراجوزات هم رجال الأمن ، هو الهجوم الشديد الممنهج والنظم على طلاب الإخوان المسلمين فى الكلية ، من بيانات وكلمات فى المدرج ولافتات ، وأفكار لا تخرج من رأس " أراجوز " مسكين ، وإنما من رأس صاحب خشبة المسرح ، ولكل هذه الاعتبارات قررت ألا أشارك فى هذه المهزلة أبدا ، وأيضا أن أدعو أصدقائى وأصحابى وكل من يطلب رأيى أن يقاطعوا هذه الانتخابات تماما ، وكان هذا الأمر هو بداية معرفة الأمن بى بعد ذلك .

ج . الجماعات الثقافية :

هى جماعات شبه مستقلة عن الاتحادات ، فهى فى الأصل تتبع اللجنة الثقافية باتحاد الطلبة ، لكن يشرف عليها معيد فى الكلية ، ومقررها ينتخب من أعضاء الجماعة بعيدا عن انتخابات الاتحاد وبغض النظر أكان الطالب عضوا فى الاتحاد أم لا ، وأول ما لفت انتباهى من هذه الجماعات هى جماعة الصحافة ، ثم جماعة الخطابة والإلقاء ، ولكل من هذه الجماعات تجربة خاصة تختلف باختلاف مشرفيها ونشاطاتها كما سيأتى .

د . الأحزاب السياسية :

" أخلع عبائتى الحزبية على أسوار الجامعة " هذه الجملة سمعناها من أحد أعضاء هيئة التدريس والعضو البارز فى لجنة السياسات فى الحزب الوطنى الدكتور / جابر نصار ، والواقع أن العمل الحزبى فى الجامعة ضعيف للغاية ، والأحزاب الفاعلة فيه هى : حزب العمل ، وحزب الاشتراكيين الثوريين ، وحزب الكرامة ، وبدايات نشاط حزب الغد ، وهذه الأحزاب إما مجمدة كالعمل أو تحت التأسيس كالكرامة ( وهناك أيضا كيان شبيه وهو اتحاد أندية الفكر الناصرى ) والاشتراكيين الثوريين ، والغد هو الوحيد الشرعى وبدأ ظهور ذراعه الجامعى فى 2006 ليس قبل ذلك، وبالطبع فإن الحزب الوحيد الذى قد أخوض معه التجربة الحزبية السياسية هو حزب العمل ذو التوجهات الإسلامية .



يتبع